وذكر التفنّن في فنون البلاغة والخوض في وجوه الفصاحة والتصرّف في أساليب الكلام ، وكان من أعظم منتحلات العرب ، فجاءهم بما أعجزهم في القرآن ، قال تعالى :
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » .
« 1 »
وذكر ضرب الأمثال واستشهد بقوله تعالى :
« وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ » .
« 2 »
ثمّ بعد هذا البيان ذكر أنّ القرآن إنّما تعرّض لما ألفه العرب من العلوم الصحيحة ، وأهمل ما كان باطلًا ، كالكهانة والزجر وخطّ الرمل والطيرة والعيافة ونحوها . أمّا وزيادةً على ذلك فلم يتعرّض لها القرآن ، والقول بذلك تجاوز عن الحدّ ، قال : إنّ كثيراً من الناس تجاوزوا الحدّ في الدعوى على القرآن ، فأضافوا إليه كلّ علم يذكر للمتقدّمين والمتأخّرين من علوم الطبيعيات والتعاليم كالهندسة وغيرها من الرياضيات والمنطق وعلم الحروف وأشباهها . . وهذا إذا عرضناه على ما ذكرناه لم يصحّ .
قال : وربّما استندوا في دعواهم إلى قوله تعالى :
« وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ »
« 3 » وقوله :
« ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ »
« 4 » ونحو ذلك .
قال : أمّا الآيات فالمراد بها عند المفسّرين مايتعلّق بحال التكليف والتعبّد . أو المراد بالكتاب في الآية الثانية اللوح المحفوظ ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمّنه لجميع العلوم النقلية والعقلية . « 5 »
* * * قلت : ولعلّ وهن مستند ذاك الزعم ظاهر لا يحتاج إلى بيان .
أمّا الآيات الكريمة التي استندوا إليها فهي على نمطَين :
هامش
( 1 ) - الإسراء 88 : 17 .
( 2 ) - الروم 58 : 30 .
( 3 ) - النحل 89 : 16 .
( 4 ) - الأنعام 38 : 6 .
( 5 ) - الموافقات للشاطبي ، ج 2 ، ص 69 - 82 . ( راجع : التفسير والمفسّرون للذهبي ، ج 2 ، ص 485 - 490 ) .