قال عليه السلام : ووتّد بالصخور مَيَدان أرضه . « 1 » أي ثبّتها فيها لتحول دون اضطرابها .
والمَيَد والمَيَدان : الحركة والاضطراب ضدّ السكون والهدوء .
وفي خطبة أخرى أوضح هذا المعنى بتفصيل أكثر ، قال :
وجَبَلَ جلاميدها ، ونشوز متونها وأطوادها ، فأرساها في مراسيها ، وألزمها قراراتها .
فمضت رؤوسها في الهواء ، ورست أصولها في الماء . فأنهد جبالها عن سهولها ، وأساخ قواعدها في متون أقطارها ، ومواضع أنصابها . فأشهق قلالها ، وأطال أنشازها . وجعلها للأرض عمادا ، وأرّزها فيها أوتادا . فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها ، أو تسيخ بحِملها ، أو تزول عن مواضعها . فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها . « 2 »
وإليك شرح الغريب من ألفاظ الخطبة :
جلاميد : جمع جُلمُود ، وهو الصخر الصلب . وجبل الشيء بمعنى خلقه وفطره ، ومنه الجِبلّة بمعنى الفطرة وأصل الخلقة .
وأنهد الشيء : رفع به وعظّمه . ومنه النهد بمعنى الثدي . يقال : نهد الثديُ أي كعب وانتبر وأشرف .
والأنصاب : جمع نَصب هي مواضع نصب الجبال .
وساخ في الشيء : غاص فيه ورسب . وساخ بالشيء : انخسف به . والموجان : الهياج .
* * * وأمّا ما يستفاد من هذا الكلام الذهبي فشئ كثير ، نشير إلى ما يخصّ المقام من دلائل جلائل :
قوله عليه السلام : « ورست أصولها » أي رسخت أصول الجبال في أعماق الأرض حيث المياه الجوفية . ولعلّه إشارة إلى جذور الجبال متّصلةً بعضها ببعض ، المعبّر عنها بسلاسل جبلية محيطة بالأرض .
قوله : « فأنهد جبالها عن سهولها » كأنّه إشارة إلى مبدأ حُدُوث الجبال على سطح الأرض ، بعد أن كان مستويا ، فتجعّد على أثر برودة القشرة ، فكانت نتوءات وانخفاضات ،
هامش
( 1 ) - المصدر ، الخطبة الأولى ، ص 39 .
( 2 ) - المصدر ، الخطبة رقم 211 ، ص 328 .