وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ » .
« 1 »
فالدخان - وهي المادّة الأولى لخلق السماوات - هو الأصل ؛ ومنه تفرّعت السماوات العُلى وخرجت إلى الوجود . وقوله
« ائْتِيا »
كناية عن الأمر بالتكوين .
« إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » .
« 2 »
قوله :
« فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ »
يدلّ على سبق مادّتهنّ على وجودهنّ ، فأفاض عليهنّ الصوَر المائزة بينهنّ .
ويدلّ عليه أيضا قوله في سورة النازعات :
« رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها » .
« 3 » فقد سواهنّ برفع سمكهنّ ، كنايةً عن تمدّد جوانبها لتأخذ شكلها الخاص .
* * * ولعلّك تقول : هلّا كان قوله تعالى :
« وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ »
عقيب قوله
« . . كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما . . »
« 4 » قرينة راجحة لإرادة المعنى الأول من الآية ؟
قلت : مظاهر أربعة من مظاهر الكون جاءت هنا من سورة الأنبياء ( الآيات رقم 30 - 33 ) مترادفة مع بعضها البعض ، تلك آيات عظمته تعالى في الخلق وجليل قدرته في التدبير ، كلّ ظاهرة آية برأسها مستقلّة في حقيقتها وفي تكوينها وفي دلالتها على عظمة الكون .
أولًا : رتق السماوات والأرض وفتقهما .
ثانيا : كون الماء منشأ الحياة كلّها .
ثالثا : جعل الرواسي في الأرض لتحول دون ميدانها .
رابعا : الغلاف الهوائي جُنّة واقية للأرض عن الخراب وزوال الحياة عن سطحها .
وكلّ واحدة منها آية تدلّ على أنّه واحد ، وهم عن آياتها معرضون . وعليه فكما أنّ
هامش
( 1 ) - فصّلت 11 : 41 - 12 .
( 2 ) - يس 82 : 36 .
( 3 ) - النازعات 28 : 79 .
( 4 ) - الأنبياء 30 : 21 .