ثمّ ننظر إلى جمال التعبير من زاوية أخرى : إذ يرسم هذه الصورة ، ثمّ يجعل هذه الحفرة من النار ، ويجعلهم على شفا منها ، فيطوي الحياة الدنيا كلّها - وهي الفاصل بينهم وبين النار - ويجعلهم - وهم بعدُ أحياء ، وهم بعدُ في الدنيا - واقفين هذه الوقفة ، على شفا حفرة من النار ، حينما كانوا من الكفّار .
* وشبيهة بهذه الصورة صورة أخرى ، لمن يقيم بنيانه على غير التقوى :
« أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ » .
« 1 »
فهنا قد أكمل الحركة الأخيرة التي كانت متوقّعة هناك :
« فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ »
وبذلك طوى الحياة الدنيا كلّها ، دون أن يذكر ولو كلمة « ثُمّ » في موضع « الفاء » ( فانهار ) لأنّ هذا المدى الطويل قصير قصير ، حتى لا ضرورة لهذا « التراخي » القصير . وهذا فنّ من جمال العرض الذي أبدع فيه القرآن .
ترسيم النموذج الإنساني
قد أسبقنا أنّ شخصية كلّ إنسان هي تبلور صفاته وغرائزه وانطباعاته عن حياته الخاصّة في إطار محيطه وجوّ عيشته . فهو إنّما يتّجه حيث توجّهه فطرتُهُ وغريزتُه .
ولترسيم نماذج من هكذا إنسان هو أسير غرائزه واستهواءاته ، روائع من التصوير الفنّي في القرآن . كالذي سبق في قولنا : وَمنهم مَن يَعبُد اللّه على حرف . . . وأمثلة أخرى نزيد عليها :
* يُريدُ أن يشخّص حالة العناد السخيف ، والمكابرة العمياء ، التي لايُجدي معها حجّة ولابرهان ، فيبرز « نموذجا إنسانيا » في هذه الكلمات :
« وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ » .
« 2 »
أو يقول :
« وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا
هامش
( 1 ) - التوبة 109 : 9 .
( 2 ) - الحجر 14 : 15 - 15 .