شاخصة فيها الحركة الدائبة ، وهي صورة معهودة ، فهي في تثبيت المعنى المراد بها أشدّ وأقوى . وهكذا يلتقي الغرض الديني بالغرض الفنّي ، كالشأن في جميع الصور التي يرسمها القرآن .
* ويريد أن يوضّح حالة تزعزع العقيدة ، حيث لايستقرّ الإنسان على يقين ، ولا يحتمل مايصادفه من الشدائد بقلب راسخ ، ولا يجعل عقيدته في معزل عن ملابسات حياته ، بعيدة عن ميزان الربح والخسارة ، فيرسم لهذا التزعزع صورة تهتزّ وتترنّح ، توشك على الانهيار :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ » .
« 1 »
إنّ الخيال ليكاد يجسّم هذا « الحرف » الذي يعبد اللّه عليه هذا البعض من الناس ، وإنّه ليكاد يتخيّل الاضطراب الحسّي في وقفتهم ، وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب ، وإنّ هذه الصورة لترسم حالة التزعزع بأوضح ممّا يؤدّيه وصف التزعزع ، لأنّها تنطبع في الحسّ ، وتتّصل منه بالنفس .
* وممّا هو بسبيل من ذلك في غرض آخر غير هذا الغرض ، تلك الصورة التي رسمها للمسلمين قبل أن يسلموا ، يوم كانوا معرضين لجهنّم بماهم فيه من الكفر ، فقال :
« وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها » .
« 2 »
هكذا :
« كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ »
، موشكين على الوقوع ، تكاد أقدامكم تزلّ فتهوون . ولسنا هنا بصدد بيان دقّة التشبيه وصدقه ، إنّما نحن بصدد هذه الصورة القلقة المتحرّكة الموشكة في الخيال على الزوال . ولو استطاعت ريشة مصوّر بالألوان أن تبرز هذه الحركة المتخيّلة في صورة صامتة لكانت براعة تحسب في عالم التصوير والمصوّر يملك الريشة واللوحة والألوان ، وهنا ألفاظ فحسب يصوّر بها القرآن .
هامش
( 1 ) - الحج 11 : 22 .
( 2 ) - آل عمران 103 : 3 .