« إذ
أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ . تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ » .
« 1 »
* وهذه الشمس وهذا القمر كوكبان ، الشمس تشغل مركزية المنظومة وهي تجري لمستقرٍّ لها ، وتجرّ معها أبناءها وبناتها ، وهم يدورون حولها . والقمر يدور حول الأَرض التي هي بدورها تدور حول الشمس . لكنّهما بظاهر المشاهدة الحسّية يدوران حول الأرض عند رؤية العين المجرّدة ، كأنّهما يتلاحقان . كما أنّ الليل والنهار يتسابقان على سطح الأَرض ، هذا من طرف وهذا من جانب ، لكن
« لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ »
« 2 » كأنّ عرصة الفضاء ساحة المسابقة ، والسُبّاق هم : الشمس والقمر والليل والنهار . فساحة الكون كلّه عرصة السباق ، والفضاء جميعه تسابق وتنافس وحركة وحياة . . .
« صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ » .
« 3 »
وأعجب من ذلك أنّه يصوّر من حالة الغضب - وهي صفة نفسانية - إنسانا صاحب شعور وإدراك رقيق ، قد يثور ويفور غيظه ثمّ يهدأ ويسكن غضبه . وقد جاء في التعبير القرآني عن هذا الثوران بإلقاء الوساوس والإغراء بالأخطار ، وعن ذاك الهدوء بالسكوت والإمساك عن الكلام .
قال الزمخشري - عند تفسير قوله تعالى :
« وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ »
- : « 4 » كأنّ الغضب كان يغريه على فعل ما فعل ، ويقول له : قل لقومك كذا ، وألق بالألواح ، وجرّ برأس أخيك إليك . هكذا كان يهمس في اذنه ويلقي في روعه ، فكأنّ موسى يفعل ما يفعل بإغرائه وتحريضه . حتّى إذا ماسكت الغضب عن الكلام وأمسك بلسانه ترك موسى وشأنه وقطع الإغراء .
قال : ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كلّ ذي طبع سليم وذوق صحيح إلّا لذلك ، ولأنّه من قبيل شعب البلاغة . وإلّا فما لقراءة معاوية بن قرة : « ولمّا سكن عن موسى الغضب » لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزّة وطرفا من تلك الروعة . « 5 »
هامش
( 1 ) - الملك 7 : 67 - 8 .
( 2 ) - يس 40 : 36 .
( 3 ) - النمل 88 : 27 .
( 4 ) - الأعراف 154 : 7 .
( 5 ) - الكشاف ، ج 2 ، ص 163 .