ببعض ، إذ لا يحسن أن يرتبط تصرّف الإله في خلقه وأحكامه بعضها ببعض ، مع اختلاف العلل والأسباب ، كتصرّف الملوك والحكّام والمفتين وتصرّف الإنسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ومتضادّة . وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرّفات مع بعض ، مع اختلافها في نفسها واختلاف أوقاتها .
وعاكسه الشيخ وليّ اللّه محمّد بنأحمد الملويّ المنفلوطي ، قائلًا : وقد وَهَم من قال :
لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ، لأنّها على حسب الوقائع المتفرّقة . وفصل الخطاب أنّها على حسب الوقائع تنزيلًا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا ، فالمُصحف كالصُحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون ، مرتّبة سوره كلّها وآياته بالتوقيف . « 1 »
قال الإمام بدرالدين الزركشي : وهذا الذي ذكره الشيخ وليّ اللّه مبنيّ على أنّ ترتيب السوَر توقيفي . ثمّ رجّح ذلك وأخذ في بيان التناسب فيما بين عديد من السوَر . قال : وإذا اعتبرت افتتاح كلّ سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها . ثمّ هو يخفى تارةً ويظهر أخرى ، كافتتاح سورة الأنعام بالحمد ، فإنّه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما قال تعالى :
« وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » .
« 2 »
وكافتتاح سورة فاطر بالحمد أيضا ، فإنّه مناسب لختام ما قبلها
« وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ » ،
« 3 » كما قال تعالى :
« فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » .
« 4 »
وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح ، فإنّه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به .
وكافتتاح سورة البقرة بقوله :
« ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ »
« 5 » إشارة إلى قوله :
« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ »
« 6 » في سورة الحمد ، كأنّهم لمّا سألوا الهداية ، قيل لهم : ذلك هو الكتاب .
وتأمّل ارتباط سورة
« لِإِيلافِ قُرَيْشٍ »
بسورة الفيل ، حتّى قال الأخفش : اتّصالها بها
هامش
( 1 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 37 ؛ والإتقان ، ج 3 ، ص 323 ؛ ونظم الدرر للبقاعي ، ج 1 ، ص 8 .
( 2 ) - الزمر 75 : 39 .
( 3 ) - سبأ 54 : 34 .
( 4 ) - الأنعام 45 : 6 .
( 5 ) - البقرة 2 : 2 .
( 6 ) - الفاتحة 6 : 1 .