تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
ومن الألفاظ لفظة « الآجر » وليس فيها من خفّة التركيب إلّا الهمزة وسائرها نافر متقلقل ، ولفظ مرادفها « القرمد » وكلاهما استعمله فصحاء العرب ولم يعرفوا غيرهما ، أمّا القرآن فلم يستعملهما ولكنّه اخرج معناهما بألطف عبارة وأرقّها وأعذبها ، وساقها في بيان مكشوف ، وذلك في قوله تعالى :
« وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً » .
« 1 » فعبّر عن الآجر بقوله :
« فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ »
وانظر موقع هذه القلقلة التي هي في الدال من قوله « فأوقد » ومايتلوها من رقّة اللام ، فإنّها في أثناء التلاوة ممّا لا يطاق أن يعبّر عن حسنه وكأنّما تنتزع النفس انتزاعا . وليس الإعجاز في اختراع تلك العبارة فحسب ، ولكن ماترمي إليه إعجاز آخر ، فإنّها تحقّر من شأن فرعون وتصف ضلاله وتسفّه رأيه ، إذ طمع أن يبلغ الأسباب ، أسباب السماوات فيطّلع إلى إله موسى ، « 2 » وهو لا يجد وسيلة إلى ذلك المستحيل ولو نصب الأرض سُلّما ، إلّا شيئا يصنعه هامان من الطين . « 3 »
هامش
( 1 ) - القصص 38 : 28 . ( 2 ) - إشارة إلى الآية : 37 من سورة غافر . ( 3 ) - اقتضاب عاجل من إعجاز القرآن للرافعي ، ص 228 - 234 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 140 | الشيخ محمد هادي معرفة