وممّا يدلّ على أنّ نظم القرآن مادة فوق الصنعة ومن وراء الفكر ، ولا يسعه طوق إنسان في نظم الكلام البليغ ، وكأنّها صبّت على الجملة صبّا ، أنّك ترى بعض الألفاظ لم يأت فيه إلّا بصيغة الجمع ولم يستعمل بصيغة الإفراد ، فإذا احتيج إلى صيغة المفرد استعمل مرادفها . كلفظة « اللبّ » لم ترد إلّا مجموعة
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ »
.
« لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ »
ونحوهما « 1 » ولم تجىء فيه مفردة ، بل جاء مكانها « القلب » « 2 » أو « الفؤاد » . « 3 »
وذلك لأنّ لفظ الباء شديد مجتمع ، ولا يفضي إلى هذه الشدّة إلّا من اللام الشديدة المسترخية ، فلمّا لم يكن ثَمَّ فصل بين الحرفين ليتهيّأ معه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشدّة فتحسن اللفظة ، مهما كانت حركة الإعراب فيها ، نصبا أو رفعا أو جرّا .
ولذلك أسقطها القرآن من نظمه تبّةً ، على سعة ما بين أوّله وآخره .
ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة ، كما في لفظة « الجُبّ » وهي في وزنها ونطقها ، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشدّة في الجيم المضمومة .
وكذلك لفظة « الكوب » استعملت فيه مجموعة ولم يأت بها مفردة ، لأنّه لم يتهيّأ فيها مايجعلها في النطق من الظهور والرقّة والانكشاف وحسن التناسب كلفظ « الأكواب » الذي هو جمع .
و « الأرجاء » لم يستعمل القرآن لفظها إلّا مجموعا ، وترك المفرد - وهو الرجا أي الجانب - لِعلّة لفظه وأنّه لا يسوغ في نظمه كما ترى .
وعكس ذلك لفظة « الأَرض » فإنّها لم ترد فيه إلّا مفردة ، فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة في كلّ موضع منه ، ولم يجئ « أرضون » لهذه الجَسأة التي تدخل اللفظ ويختلّ بها النظم اختلالًا .
هامش
( 1 ) - في ستة عشر موضعا من القرآن جاءت اللفظة بصيغة الجمع فقط ، ولم تأت إفرادا أبدا .
( 2 ) - في تسعة عشر موضعا إمّا مقطوعا أو مضافا .
( 3 ) - في خمسة مواضع مقطوعا ومضافا .