إن أراد هذا الغافل إلا اتباع الضلال فعليه نفسه ، وإن أراد الهدى فليتبعنا يهدى صراطا مستقيما ونهجا قويما فنورد إليه بعضا من الأمور التي تدلّ على أنّ القرآن كلام اللّه :
أوّلا - كونه في الدرجة العالية من البلاغة التي لم يعهد مثلها في تراكيبهم وتقاصرت عنها درجات بلاغاتهم وهي عبارة عن التعبير باللفظ المعجب ولا نقصان في البيان .
ثانيا - نسقه العجيب وأسلوبه الفريد في المطالع والمقاطع والفواصل مع اشتماله على رقائق البيان وحقائق العرفان وحسن العبارة ولطف الإشارة وسلاسة التركيب وسلامة الترتيب فتحيّرت فيه عقول العرباء وفهوم الفصحاء والحكمة في هذه المخالفة أن لا يبقى لمتصف عنيد فطنة السرقة .
ثالثا - كون القرآن منطويا على الإخبار عن الحوادث الآتية فوجدت في الأيّام اللاحقة على الوجه الذي أخبر كقوله تعالى :
« لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ » .
« 1 »
رابعا - ما أخبر من أخبار القرون السالفة والأمم الهالكة وقد علم أنّه كان امّيا ما قرأ ولاكتب ولا اشتغل بمدرسة مع العلماء ولامجالسة مع الفضلاء بل تربّى بين قوم لا يعرفون الكتاب وكانوا عارين عن العلوم العقلية . يقول اللّه تعالى :
« إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ
مختلفون » . « 2 »
خامسا : ما فيه من كشف أسرار المنافقين حيث كانوا يتواطؤون في السرّ على أنواع كثيرة من المكر والكيد وكان اللّه يطلع رسوله على تلك الأحوال حالًا فحالا .
سادسا : جمعه لمعارف جزئية وعلوم كونية لم تعهد العرب عامّة ولامحمد صلى الله عليه وآله خاصّة من علم الشرائع التنبيه على طرق الحجج العقلية والسير والمواعظ والحكم وأخبار الدار الآخرة ومحاسن الآداب والشيم .
هامش
( 1 ) - الفتح 27 : 48 .
( 2 ) - النمل 76 : 27 .