كلّ ، واللّه تعالى ليس كلًاّ مركّبا من أجزاء ، وإلّا كان مادة . وإذا كان كذلك فليس تدركه عيوننا التي خلقت ، وليس قدرتها إلّا أنترى ما هو مادة ، وما هو في جهة ، وهكذا ساروا في هدى العقل جريئين ، ويقرّرون ما يرشد إليه في شجاعة وإقدام . وهم أمام النقل يسلّمون ما يوافق منها البرهان العقلي ويؤوّلون ما يخالفه بكلّ صراحة ، من غير خوف من النتائج مهما كانت ، متى اطمأنّوا إلى أنّهم يسايرون العقل ، فالعقل هو الحكم عندهم بين الآيات المتشابهات ، وهو الحكم على الحديث ، ليقرّر عدم صحّته إن لم يوافق العقل ولم يحتمل التأويل . « 1 » وهم إنّما يؤوّلون المتشابه على حساب تحقيق المحكم من العقل والنقل ، على عكس الأشاعرة ، الذي يعمدون إلى تأويل المحكم على حساب التحفّظ على ظاهر المتشابه ، كما تقدّم تأويل أبيالحسن الأشعري قوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
على حساب التحفّظ على ظاهر قوله تعالى :
« إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
. هذا هو الفارق الأساسي بين الفريقين - فريق أهل العدل والتنزيه ، وفريق أهل السنّة والجماعة - حسب تعبيرهم هم .
وقد فصّل الكلام - في نفي رؤيته تعالى - القاضي عبد الجبار في كتابه : « شرح الأصول الخمسة » « 2 » وأوفى البحث حقّه . وهكذا الخواجا نصير الدين الطوسي في مختصره :
« تجريد الاعتقاد » « 3 » بإيجاز وإيفاء ، وغيرهما من أصول معتمدة .
وملخّص الكلام في نفي الرؤية : أنّ النظر بالعين ، عبارة عن إشعاع نوري يحيط بالجسم المرئي ، الواقع في جهة مقابلة لعين الرائي ، فتنطبع فيها صورته الخارجية . وهذا مستحيل عليه تعالى ، لأنّه يستدعي تجسيما وجهة ومحدودية ، وقبولًا للإشارة الحسّية ، وكلّ ذلك باطل - بشأنه تعالى - في ضرورة العقل ومحكم الكتاب العزيز ، قال تعالى :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » .
« 4 » ولاشكّ أنّ التجسيم ومستتبعاته تشبيه محض . وكذا قوله تعالى :
« لا
هامش
( 1 ) - راجع : ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص 68 - 69 .
( 2 ) - باب نفي الرؤية ، ص 232 - 277 .
( 3 ) - بشرح العلامة الحسن بنالمطهّر الحلّي ، ص 163 - 165 .
( 4 ) - الشورى 11 : 42 .