ولا ينهى عمّا يريد ، وأنّه خلق الخلق لمصلحتهم ، وكلّفهم لأجل منازل منفعتهم ، وأزاح في التكليف عللهم ، وفعل أصلح الأشياء بهم ، وأنّه أقدرهم قبل التكليف ، وأوجد لهم العقل والتمييز ، وأنّ القدرة تصلح أن يفعل بها الشيء وضدّه بدلًا منه » .
« وأنّ القرآن كلام ربّ العالمين ، وأنّه محدث ليس بقديم ، ويجب أن يعتقد أنّ جميع ما فيه من الآيات التي يتضمّن ظاهرها تشبيه اللّه تعالى بخلقه ، وأنّه يجبرهم على طاعته أو معصيته ، أو يضلّ بعضهم عن طريق هدايته ، فإنّ ذلك كلّه لا يجوز حمله على ظاهره ، وأنّ له تأويلًا يلائم ما تشهد به العقول ، ممّا قدّمنا من صفاته تعالى » . « 1 »
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، « 2 » وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، « 3 » لشهادة كلّ صفة « 4 » أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وَصَفَ اللّه سبحانه « 5 » فقد قَرَنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله ، « 6 » ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حدّه « 7 » ومن حدّه فقد عدّه « 8 » ومن قال :
فيم ؟ فقد ضمَّنه ، ومن قال : علام ؟ فقد أخلى منه ، « 9 » كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، « 10 » مع كلّ شيء لا بمقارنة ، وغير كلّ شيء لا بمزايلة ، « 11 » فاعل لا بمعنى الحركات
هامش
( 1 ) - كنز الفوائد ، ص 109 - 111 .
( 2 ) - يعني عليه السلام توحيد ذاته المقدّسة عن التجزئة والتأليف .
( 3 ) - يعني عليه السلام بنفي الصفات ، نفي مباديها ، فذاته المقدّسة إذا وصف بعالم ، فلا يعني هذا الوصف أنّ مبدأ العلم قائم بذاته كما في المخلوقين ، فهو تعالى عالم بذاته لا بعلم كما تقول الأشعرية ، حيّ بذاته لا بحياة ، قادر بذاته لا بقدرة . فهذه المبادئ من العلم والحياة والقدرة التي هي صفات زائدة على الذات ، منفيّة عن ذاته تعالى وتقدّس .
( 4 ) - وهي الصفة الزائدة على الذات ، التي هي مبدأ اشتقاق الوصف .
( 5 ) - أي قال : إنّه تعالى عالم بعلم ، وحيّ بحياة ، وقادر بقدرة .
( 6 ) - لانّه زعم أنّ الواجب القديم مركّب ، وهو جهل فاضح بذاته المقدّسة المتنزّهة عن التركيب المستلزم للحدوث والفناء .
( 7 ) - لأنّ الإشارة تستدعي الجهة ، وهو تعالى منزّه عن الحدود والجهات .
( 8 ) - لأنّ القول بالجهة في ذاته المقدّسة لا ينفي إمكان تعدّده تعالى .
( 9 ) - لأنّ القول بجهة فوق يستدعي الإخلاء عن سائر الجهات .
( 10 ) - إشارة إلى قِدَمِه تعالى .
( 11 ) - لأنّ المقارنة والمزايلة تستدعيان الجهة ، وهو تعالى منزّه عنها ، فلا يخلو منه مكان ولا يحويه مكان .