هو كناية عن علمه تعالى الأزليّ الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل وهو المعبّر عنه بالكتاب المكنون وامّ الكتاب أيضا ، وغيرهما من تعابير لا تعني سوى علمه تعالى المكنون الذي لا يطّلع عليه أحد إطلاقا .
وبعد فقوله تعالى :
« وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ »
« 1 » لا يعني أنّ للقرآن وجودا آخر في وعاء « امّ الكتاب » ، وإنّما جاءت هذه الاستفادة الخاطئة من توهّم المكان من قوله :
« لَدَيْنا »
. بل المقصود : أنّ لهذا القرآن شأنا عظيما عند اللّه في سابق علمه الأزليّ ، والتعبير بامّ الكتاب كان بمناسبة أنّ علمه تعالى هو مصدر الكتاب وأصله المتفرّع منه .
وقوله تعالى :
« إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ »
« 2 » يعني نفس هذا القرآن الذي بأيدي الناس ، فهو في كتاب مكنون أي قدّر له البقاء في علمه تعالى الأزليّ ، وجاء هذا المعنى - صريحا - بتعبير آخر :
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » .
« 3 » وقوله :
« لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ »
يعني : لا يدرك كنه معناه ، ولا يبلغ الاهتداء به على الحقيقة ، إلّا الّذين طهرت نفوسهم عن الزيغ والانحراف
« ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » .
« 4 »
وقوله تعالى :
« بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ »
أي عظيم شأنه
« فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ »
« 5 » أي قدّر في علمه تعالى أنّه يبقى محفوظا عن كيد الخائنين وتحريف المبطلين ، لا يمسّوه بسوء أبدا .
هل يعلم التأويل إلّا اللّه ؟
هنا سؤال ذو جانبين ، أحدهما عام : هل يستطيع أحد أن يقف على تأويل المتشابهات ، بل وعلى تأويل آي القرآن كلّه ؟ والثاني خاصّ : ماذا يستفاد من الآية
« وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »
« 6 » بالذات ، هل الواو للتشريك أو الاستئناف ؟
هامش
( 1 ) - الزخرف 4 : 43 .
( 2 ) - الواقعة 77 : 56 - 79 .
( 3 ) - الحجر 9 : 15 .
( 4 ) - البقرة 2 : 2 .
( 5 ) - البروج 21 : 85 - 22 .
( 6 ) - آلعمران 7 : 3 .