عليها في آن لانعدمت من فورها . بداهة استحالة بقاء الممكن بالذات ( وهو المفتقر في وجوده إلى مبدأ يفيض عليه الوجود حدوثا وبقاءً ) بدون تلك الإفاضة المستمرّة .
نظير وجود النور داخل الزجاجة الكهربائية ، تشعّ به ما دامت الطاقة الكهربائية تتّصل إليها من مركز التوليد عبر الأسلاك ، لا يمكن تحقّق هذا الوجود النوري - داخل الزجاجة - حدوثا وبقاء إلّا باستمرار ذلك الاتّصال المفاض عليها من المركز ومتى ماانقطعت تلك الإفاضة أو انقطع السلك ، فإنّ النور ينقطع في آنه .
وحينئذٍ لوفرضنا أنّ إنسانا وضع يده على زرّ الكهرباء ، كانت إنارة الزجاجة واقعة تحت اختياره بالمباشرة ، إن شاء ضغط على الزرّ فتتنوّر الزجاجة ، وإن شاء رفع يده فتنطفي . وصحّت نسبة إنارة الغرفة وإظلامها إليه بنفس هذا الاعتبار ، وإن كان حظّه من ذلك هو نفس القطع والوصل لا أكثر . وهكذا حظّ الإنسان في إحداث ما يريد من أعمال وإيجادها ، فتدبّر جيدا . « 1 »
وبعد ، فقد تبيّن - في ضوء ما قدّمنا - صحّة إسناد حدوث جميع المحدثات إلى اللّه سبحانه ، وإطلاق القول بأن لا خالق إلّا اللّه ولا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه . إذ ترجع جميع القوى في تأثيراتها إلى إمداد فيضه تعالى باستمرار .
كما صحّت نسبة الأفعال الاختيارية إلى فاعليها وإرادتهم الخاصّة ، بما أوجدوا من جوّ صالح لذلك التفاعل الطبيعي والتأثيرات والتأثّرات .
من ثمّ فإنّمضاعفات الأعمالالسيّئة تعود إلى مرتكبيها بالذات ، حيث استخدموا من القوى الصالحة ، في سبيل العبث والفساد .
وأمّا نتائج الأعمال الحسنة فإنّ القسط الأكبر من فضلها يعود إلى اللّه سبحانه ، نظرا لإعداده سبل الخير والسلام وإقداره العباد على الاستفادة منها والاستخدام . فكان حقّا توجيه المحامد كلّها إلى اللّه
« سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ » .
« 2 »
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ » .
« 3 »
هامش
( 1 ) - راجع : محاضرات في أُصول الفقه ، ج 2 ، ص 91 .
( 2 ) - الزخرف 13 : 43 .
( 3 ) - الأعراف 43 : 7 .