الأئمّة القرّاء ، فبعضهم نفاها وبعضهم أثبتها ، وذلك أمارة انتفاء التواتر ، لأنّ الاتّفاق في كلّ طبقة من الجماعة الذين يؤمن تواطؤهم على الكذب ، لازم من لوازم التواتر ، وقد انتفى هذا الاتّفاق هنا ، فينتفي التواتر ، لما هو معلوم ، من أنّه كلّما انتفى اللازم انتفى الملزوم .
وأيضا فإنّ هذا الرأي صادر عن أخصّائيّ « 1 » متمهّر في القراءات وعلوم القرآن ، هو « أبو شامة » وصاحب الدار أدرى بما فيها .
وأخيرا ، فإنّ هذا الرأي يتّفق وما هو مقرّر لدى المحقّقين ، من أنّ القراءات قد تتوفّر فيها الأركان الثلاثة المذكورة في ذلك الضابط المشهور وقد تنتفي هذه الأركان ، كلًاّ أو بعضا ، لا فرق في هذا بين القراءات السبع وغير السبع على نحو ما تقدّم . كما يتفّق أيضا مع ما صرّحوا به من تقسيم القراءات باعتبار السند إلى ستة أقسام . « 2 »
ثمّ استدرك اختياره هذا برجوعه أخيرا ، قال : لكنّي بعد معاودة البحث والنظر ، واتساع أُفق اطلاعي فيما كتب أهل التحقيق في هذا الشأن ، تبيّن لي أنّ أبا شامة أخطأهُ الصواب ، وأنّني أخطأت في مشايعته - وجعل يردّ على الوجوه المذكورة بما يلي - :
قال : إنَّ الغطاء قد انكشف عن أنّ القراءات السبع ، بل القراءات العشر كلّها متواترة في الواقع - ( لم يبيّن عن النبيّ صلى الله عليه وآله أم عن القرّاء ) - قال : وإنَّ الخلاف بينها لا ينفي عنها التواتر - ( لم ندر بماذا كشف هذا الغطاء ، ولم يشرح كيف لايتنافى الخلاف مع تواترها ) - .
وقال : « أمّا أنّ أبا شامة أخصّائيّ متمهّر ، فسبحان من له العصمة ، والكمال للّه وحده .
على أنّ الذي ردّ عليه واخترنا رأيه - وهو ابن الجزري - أيضا أخصّائي متمهّر ، وكم ترك الأوّل للآخر . وأخيرا قال : وأمّا تقسيم القراءات إلى ستة أقسام فهو يرجع إلى مطلق القراءات ، وكلامنا - هنا - في خصوص القراءات السبع . « 3 »
هامش
( 1 ) - هكذا في عبارته ، والصحيح : اختصاصي .
( 2 ) - مناهل العرفان ، ج 1 ، ص 438 - 439 .
( 3 ) - المصدر ، ج 1 ، ص 439 - 440 .