( الأُولى ) : أنَّ النسخ في التشريع كالبداء في التكوين مستحيل بشأنه تعالى ، لأنّهما عبارة عن نشأة رأي جديد ، وعثور على مصلحة كانت خافية في بدء الأمر . والحال أنّ علمه تعالى أزليّ ، لايتبدّل له رأي ولا يتجدّد له علم . فلايعقل وقوفه تعالى على خطأ في تشريع قديم لينسخه بتشريع جديد .
( الجواب ) : أنّ النسخ كالبداء ليس على معناه الحقيقي ، الذي هو عبارة عن نشأة رأي جديد وإنّما هو ظهور للناس بعد خفاء عليهم ، لمصلحة في هذا الإخفاء في بدء الأمر ، حسبما تقدّم تحقيقه .
فالشارع تعالى يشرّع حكما يكون بظاهره الدوام والاستمرار ، حسبما ألفه الناس من دوام الأحكام المطلقة ، لكنّه في الواقع كان من الأوّل محدودا بأمد معلوم لديه تعالى ، ولم يظهره للناس إلّا بعد انتهاء الأمد المذكور . لمصلحة في ذلك الإخفاء وفي هذا الإظهار المتأخّر .
ولعلّ معترضا يقول : لماذا كان تحديد في الأحكام ، فإذا كانت في أصل تشريع الحكم مصلحة فلتقتض الدوام ، وإن لم تكن مصلحة فلا مقتضى لأصل التشريع .
قلنا : إنَّ المصالح تختلف حسب الظروف والأحوال . كوصفات طبيب حاذق تختلف حسب اعتوار أحوال المريض واختلاف بيئته والمحيط الذي يعيش فيه ، فربّ مصلحة تستدعي تشريعا متناسبا مع بيئة خاصّة وفي مستوى خاصّ ، فإذا تغيّرت الواقعيّة فإنّ المصلحة تستدعي تبديل تشريع سابق إلى تشريع لاحق يلتئم مع هذا الأخير .
أمّا لماذا لم ينبّه الشارع تعالى على هذا التحديد من أوّل الأمر ؟ فلعلّ هناك مصلحة مستدعية لهذا الإخفاء ، منها توطين نفوس مؤمنة وترويضها على الطاعة والانقياد ، ولاسيّما إذا كان التشريع الأوّل أشدّ وأصعب ، فيتبدّل إلى تشريع أسهل وأخفّ ، تسهيلا على الأُمَّة وتخفيفا عليهم رحمة من اللّه .
( الشبهة الثانية ) : أنّ وجود آية منسوخة في القرآن ربّما يسبّب اشتباه المكلّفين ، فيظنّونها آية محكمة يعملون بها أو يلتزمون بمفادها ، الأمر الذي يكون إغراء الجهل ، وهو
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 292
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٢٩٢