وبه يتمّ الحكم والفائدة في أن لا توطأ الحائض إلّا بانقطاع الدم والتطهير بالماء .
أمّا لو شُدّد « يَطَّهّرن » وكان بمعنى « تَطَهَّرن » للزم جواز الوطىء إذا تطهّرت بالماء ، وإن لم ينقطع عنها الدم . إذ لم يأت ذكر عن انقطاع دمها .
ففي التخفيف بيان الشرطين اللّذين مع وجودهما معا جاز الوطىء ، وهما : قطع الدم والتطهّر بالماء ، وليس مع قراءة التشديد فيها دليل على اشتراط قطع الدم للوطىء .
فالقراءة بالتخفيف فيها بيان الحكم وفائدته . . . « 1 »
هذا هو ظاهر تعبير الآية إن أخذنا كلًاّ من الشرطين ولاسيّما الشرط الثاني ، إلزاميّا ، كما هو ظاهر السياق ، وهو الحجّة حسب تصريح النصّ .
قال ابن العربي : كان معنى
« حَتَّى يَطْهُرْنَ »
: حتى ينقطع دمهنّ ، لكنّه تعالى لمّا قال بعد ذلك : « فإذا تطّهّرن » ، معناه : فإذا اغتسلن بالماء ، تعلّق الحكم على شرطين : أحدهما :
انقطاع الدم . والثاني : الاغتسال . فوقف الحكم - وهو جواز الوطىء - على الشرطين .
وصار ذلك كقوله تعالى :
« وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ » ،
« 2 » فعلّق الحكم - وهو جواز دفع المال - على شرطين :
أحدهما : بلوغ النكاح ، والثاني : إيناس الرشد . فوقف عليهما ولم يصحّ ثبوته بأحدهما .
وكذلك قوله تعالى في المطلّقة ثلاثا :
« فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ، فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا » .
« 3 » وقد وردت السّنّة باشتراط الوطىء . فوقف التحليل على الأمرين جميعا ، كما هنا . « 4 »
أخرج البيهقي بإسناده إلى ابن عباس في قوله تعالى :
« فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ »
يقول : اعتزلوا نكاحهنّ ، ولاتقربوهنّ حتّى يَطْهُرن ، يقول : إذا تَطَهّرن من الدم وتَطَهّرن بالماء ، فأتوهنّ من حيث أمركم اللّه . . .
هامش
( 1 ) - الكشف ، ج 1 ، ص 293 - 294 مع شيء من التوضيح .
( 2 ) - النساء 6 : 4 .
( 3 ) - البقرة 230 : 2 .
( 4 ) - أحكام القرآن لابن العربي أبي بكر محمد بن عبداللّه ، ج 1 ، ص 166 - 167 .