فعلى ضوء هاتين المقدّمتين ، لامبرّر لعدم فهم حقيقة اتّصال روحيّ خفيّ يتحقّق بين ملأ أعلى وجانب روحانيّة هذا الإنسان . فيتلقّى بروحه إفاضات تأتيه من ملكوت السماء وإشراقات نوريّة تشعّ على نفسه من عالم وراء هذا العالم الماديّ . وليس اتصالًا أو تقاربا مكانيا لكي يستلزم تحيّزا ، في جانبه تعالى . وأظنّهم قاسوا من أُمور ذاك العالم غير الماديّ بمقاييس تخصّ العالم الماديّ . مع العلم أنّ الألفاظ هي التي تكون قاصرة عن أداء الواقع ، وأنّ التعبير بنزول الوحي أو الملك تعبير مجازيّ ، وليس سوى إشراق وإفاضة قدسيّة ملكوتيّة يجدها النبيّ صلى الله عليه وآله حاضرة نفسه ، ملقاة عليه من خارج روحه الكريمة .
وليست منبعثة من داخل كيانه هو .
هذا هو حقيقة الوحي الذي نعترف به ، من غير أن يقتضي تحيّزا في ذاته تعالى .
أمّا التعليل الذي يعلّلون به ظاهرة الوحي ، فهو في واقعه إنكار للوحي وتكذيب ملتوٍ للأنبياء بصورة عامّة ، كماهم فسّروا معجزة إبراء الأكمه والأبرص بظاهرة الهبنوتوزم ( المغناطيسيّة الحيوانيّة ) فجعلوا من المسيح عليه السلام إنسانا مشعوذا - حاشاه - يستغلّ من عقول البسطاء مجالًا متسعا لترويج دعوته ، بأساليب خدّاعة ينسبها إلى البارىء تعالى . . . !
ونحن نقدّس ساحة الأنبياء من أيّ مراوغة أو احتيال مسلكيّ ، وحاشاهم من ذلك .
وما هي إلّا واقعيّة بنوا عليها دعوتهم الإصلاحيّة العامّة ، واقعيّة يعترف بها العلم سواء في مراحله القديمة أو الجديدة الحاضرة . إذن لامبرّر لتأويل ما جاء في كتب الأنبياء من ظاهرة الوحي ، اتصالًا حقيقيا بمبدأ أعلى .
نعم : إنّ ما بقي بأيدي الناس من تراجم كتب منسوبة إلى الأنبياء السالفين ، لم تبق سالمة من تطاول أيدي المحرّفين ، ومن ثمّ ففيها من الغثّ والسمين الشيء الكثير ، ونحن نربأ بعلماء محقّقين أن يجعلوا من موضوع دراستهم لشؤون الأنبياء عليهم السلام تلكم التراجم المحرّفة .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 93
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٩٣