الثانية : ما نزل بمكّة وحواليها - ولو بعد الهجرة - فهو مكّي ، وما نزل بالمدينة وحواليها فهو مدنيّ . وما نزل خارج البلدين ، بعيدا عنهما فهو لامكّيّ ولامدنيّ ، كقوله تعالى :
« كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ » .
« 1 » قيل : نزلت بالحديبيّة حينما صالح النبيّ صلى الله عليه وآله مشركي قريش فقال رسولاللّه صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : اكتب : بسماللّه الرّحمان الرّحيم . . . فقال سهيل بن عمرو وسائر المشركين : مانعرف الرحمان إِلّا صاحب اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذّاب ، فنزلت الآية « 2 » وهكذا آية الأنفال « 3 » نزلت في بدر عندما اختصم المسلمون في تقسيم الغنائم « 4 » لامكّية ولامدنيّة ، على هذا الاصطلاح .
الثالثة : ما كان خطابا لأهل مكة فهو مكّي ، وما كان خطابا لأهل المدينة فهو مدنيّ ، وهذا الاصطلاح مأخوذ من كلام ابنمسعود : كلّ شيء نزل فيه يا أيّها الناس فهو بمكة .
وكلّ شيء نزل فيه يا أيّها الّذين آمنوا فهو بالمدينة . « 5 » قال الزركشي : لأنّ الغالب على أهل مكة الكفر ، والغالب على أهل المدينة الإيمان . « 6 »
وهذا الاختلاف في تحديد المكّيّ والمدنيّ أوجب اختلافا في كثير من آيات وسور :
أنّها مكّية أم مدنيّة . « 7 » غير أنّ المعتمد من هذه المصطلحات هو الأوّل ، وهو المشهور الذي جرى عليه أكثريّة أهل العلم « 8 » وكان تحديدنا الآتي في نظم السور حسب ترتيب نزولها معتمدا على هذا الاصطلاح .
نعم ، الطرق إلى معرفة مواقع النزول : أنّها كانت بمكة أو بالمدينة أو بغيرهما ، قليل جدا ، لأنّ الأوائل لم يعيروا هذه الناحية المهمّة اهتماما معتدّا به ، سوى ما ذكروه في عرض الكلام استطرادا ، وهي استفادة ضئيلة للغاية ، ومن ثمّ يجب لمعرفة ذلك ملاحظة
هامش
( 1 ) - الرعد 30 : 13 .
( 2 ) - مجمع البيان ، ج 6 ، ص 293 .
( 3 ) - الأنفال 1 : 8 .
( 4 ) - راجع : السيرة لابن هشام ، ج 2 ، ص 322 .
( 5 ) - المستدرك على الصحيحين ، ج 3 ، ص 18 .
( 6 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 187 .
( 7 ) - كما في آية الأمانات من سورة النساء 58 : 4 زعمها النحاس مكّية لرواية ابنجريج . راجع : مجمع البيان ، ج 3 ، ص 63 .
( 8 ) - راجع : البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 187 ؛ والإتقان : ج 1 ، ص 23 .