اللّه تبارك وتعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ »
« 1 » فقال : إنّ القدرية يحتجّون بأولها وليس كما يقولون ، ألا ترى انّ اللّه تبارك وتعالى يقول :
« وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ »
وقال نوح ( على نبيّنا وآله وعليه السلام ) :
« وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ »
« 2 » قال : الأمر إلى اللّه يهدي من يشاء .
بيان : اعلم انّ لفظ « القدريّ » يطلق في أخبارنا على الجبري وعلى التفويضي ، والمراد في هذا الخبر هو الثاني ، وقد أحال كلّ من الفريقين ما ورد في ذلك على الآخر ، قال شارح المقاصد : لا خلاف في ذمّ القدريّة
وقد ورد في صحاح الأحاديث : « لعن اللّه القدريّة على لسان سبعين نبيّا »
والمراد بهم القائلون بنفي كون الخير والشرّ كلّه بتقدير اللّه ومشيّته ، سمّوا بذلك لمبالغتهم في نفيه ، وقيل لإثباتهم للعبد قدرة الإيجاد وليس بشيء لأنّ المناسب حينئذ القدريّ بضمّ القاف .
وقالت المعتزلة : القدريّة هم القائلون بأنّ الخير والشرّ كلّه من اللّه وبتقديره ومشيّته لأنّ الشايع نسبة الشخص إلى ما يثبته ويقول كالجبريّة والحنفيّة والشافعيّة لا إلى ما ينفيه ، وردّ بأنّه
صحّ من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قوله : « القدريّة مجوس أمّتي »
وقوله : « إذا قامت القيامة نادى مناد أهل الجمع : أين خصماء اللّه ؟ فتقوم القدريّة »
ولا خفاء في انّ المجوس هم الذي ينسبون الخير إلى اللّه والشرّ إلى الشيطان ويسمّونها يزدان واهرمن ، وانّ من لا يفوّض الأمور كلّها إلى اللّه تعالى ويفرز بعضها فينسبه إلى نفسه يكون هو المخاصم للّه تعالى ، وأيضا من يضيف القدر إلى نفسه ويدّعي كونه الفاعل والمقدّر أولى باسم القدريّ ممّن يضيفه إلى ربّه ، انتهى « 3 » .
باب القضاء والقدر والمشيّة « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة الرّعد / الآية 11 .
( 2 ) سورة هود / الآية 34 .
( 3 ) ق : 3 / 1 / 3 ، ج : 5 / 6 .
( 4 ) ق : 3 / 3 / 26 ، ج : 5 / 84 .