فيضرب بعوده ويغنّي ، فرفع أبو جعفر إليه رأسه وقال : إتّق اللّه يا ذا العثنون « 1 » ، فسقط المضراب من يده والعود ، فلم ينتفع بيده إلى أن مات « 2 » .
فيما جرى من المأمون في حال سكره على أبي جعفر عليه السّلام من ضربه بالسيف وقطعه ، وحفظ اللّه إيّاه « 3 » .
ذكر الصّفدي في ( شرح لاميّة العجم ) أن المأمون لمّا هادن بعض ملوك النصارى - أظنّه صاحب جزيرة قبرس - طلب منهم خزانة كتب اليونان ، وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد ، فجمع الملك خواصّه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك ، فكلّهم أشار بعدم تجهيزها إليه الّا مطران « 4 » واحد ، فانّه قال : جهّزها إليهم ، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية الّا أفسدتها وأوقعت الخلاف بين علمائها « 5 » .
حكي أنّ المأمون أشرف يوما من قصره فرأى رجلا قائما وبيده فحمة يكتب بها على حائط قصره :
يا قصر جمّع فيك الشؤم واللؤم * متى يعششّ في أركانك البوم
يوما يعشش فيك البوم من فرحي * أكون أوّل من يرعاك مرغوم
فقال له : ويلك ما حملك على هذا ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، انّه لا يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال ، والحليّ والحلل ، والطّعام والشراب ، وغير ذلك ممّا يقصر عنه وصفي ، ويعجز عنه فهمي ، وإنّي قد مررت عليه الآن وأنا في غاية من الجوع والفاقة ، فوقفت متفكّرا في أمري ، فقلت في نفسي : لو كان هذا
هامش
( 1 ) العثنون : اللحية الطويلة .
( 2 ) ق : 12 / 26 / 114 ، ج : 50 / 62 .
( 3 ) ق : 12 / 28 / 123 ، ج : 50 / 96 .
ق : 12 / 26 / 116 ، ج : 50 / 69 .
( 4 ) مطران ، كسكران ويكسر أيضا : رئيس دينيّ عند النصارى دون البطريرك وفوق الأسقف .
( 5 ) ق : 14 / 35 / 334 ، ج : 60 / 197 .