الحبل المستطيل من الرمل ، وقيل هي الرمال العظيمة ، وكثيرا ما تحدث هذه الأحقاف في بلاد الرمل لأن الريح تصنع ذلك ، وفي ذلك قال اللّه تعالى
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ
( الأحقاف : 21 ) ، ونبيهم « 1 » هود عليه السّلام ؛ ولما قال قائلهم
هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا
( الأحقاف : 24 ) قيل لهم
بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ
( الأحقاف : 24 ) وذلك أنّ عادا بغت في الأرض وملكها الخلجان ابن الدهم ، كانوا يعبدون الأصنام فبعث اللّه تعالى إليهم هودا فلم يجيبوا ، فمنعوا المطر ثلاث سنين وأجدبت الأرض فلم يدرّ لهم ضرع وكانت في نفوسهم مع ذلك هيبة الصانع والتقرب اليه بالتماثيل وعبادتها لأنها في زعمهم مقربة اليه ، وكانوا يعظمون موضع الكعبة وكان بربوة حمراء ، فوفدت عاد إلى مكة وفدا يستسقون لهم ويستغيثون وكان بمكة يومئذ العمالق ، فأتى الوفد مكة فأقبلوا على الشراب واللهو حتى غنّتهم الجرادتان قينتا معاوية بن بكر بشعر فيه حثّ لهم على ما وردوا من أجله ، وهو :
ألا يا قيل قم عجلا فهينم * لعلّ اللّه يسقينا غماما
فيسقي أرض عاد إنّ عادا * قد أمسوا لا يبينون الكلاما
وإن الوحش تأتي أرض عاد * فلا تخشى لعاديّ سهاما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم التماما
فقبّح وفدكم من وفد قوم * ولا لقّوا التحية والسلاما
فاستيقظ القوم من غفلتهم وبادروا إلى الاستسقاء لقومهم ، فكان من أمرهم في مجيء السّحب واختيارهم لما اختاروه منها ما هو مشهور ، وذلك أن اللّه تعالى أنشأ سحائب : بيضا وحمرا وسودا ثم نادى مناد من السّحاب : يا قيل اختر لقومك ، وكانوا قالوا : اللّهمّ إن كان هود صادقا فاسقنا ، فقال : اخترت السحابة السوداء ، فقيل له :
اخترت رمدا رمددا ، لا تبقي من عاد أحدا ، لا والدا ولا ولدا ، إلا جعلته همدا ؛ وساق اللّه تعالى السحابة السوداء بالنقمة إلى عاد ، وفيهم يقول مرثد بن سعد :
عصت عاد رسولهم فأضحوا * عطاشا ما تبلهم السماء
ألا قبح الاله حلومَ عاد * فإن قلوبهم قفر هواءُ
فأرسل اللّه تعالى عليهم الريح العقيم كما قال عز وجل
ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ
( الذاريات :
42 ) خرجت عليهم من واد لهم ، فلما رأوا ذلك قالوا
هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا
وتباشروا بذلك ، فلما سمع هود ذلك من قولهم قال
بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ
، فأتتهم الريح يوم الأربعاء فلم تأتهم الأربعاء الثانية ومنهم حي ، فمن أجل ذلك [ قيل ] : أربعاء لا تدور ، ثم انفرد هود ومن معه من المؤمنين ، وفي ذلك يقول شاعرهم :
لو أن عادا سمعت من هود * واتبعت طريقة الرشيد
ما أصبحت عاثرة الجدود * صرعى على الآناف والخدود
وروى الكلبي « 2 » عن رجاله عن الأصبغ بن فلان « 3 » ، قال :
كنا عند علي رضي اللّه عنه في خلافة عمر رضي اللّه عنه ، فسأل رجل من حضرموت فقال : أعالم أنت بحضرموت ؟ فقال : إذا جهلتها فما أعلم غيرها ، فقال : أتعرف موضع الأحقاف ؟
قال : كأنك تسأل عن قبر هود عليه السلام ، قال : نعم ، قال :
خرجت وأنا غلام في أغيلمة من الحي نريد أن نأتي قبره لبعد صيته ، فسرنا في وادي الأحقاف أياما وفينا من قد عرف الموضع ، حتى انتهينا إلى كثيب أحمر فيه كهوف ، فانتهى بنا ذلك الرجل إلى كهف منها فدخلناه وأمعنا فيه فانتهينا إلى حجرين قد أطبق أحدهما فوق الآخر وفيه خلل يدخل منه النحيف متجانفا ، فرأيت رجلا على سرير شديد الأدمة كث اللحية قد يبس على سريره وإذا لمست شيئا من جسده وجدته صلبا ، وعند رأسه كتابة بالعربية : أنا هود الذي آمنت بالله وأسفت على عاد لكفرها وما كان لأمر اللّه من مرد ، فقال علي رضي اللّه عنه : كذلك سمعته من أبي القاسم صلّى اللّه عليه وسلم .
اخميم
« 4 » : مدينة في البلاد المصرية في الجانب الشرقي من النيل لها ساحل ، وهي مدينة كبيرة قديمة فيها أسواق وحمّامات ومساجد كثيرة وفيها من البرابيّ وعجائب المباني والآثار ما يعجز الوصف عنه وهي بصعيد مصر .
وكان سوريد بن سهلون « 5 » صاحب الأهرام ملكا عاقلا عالما
هامش
( 1 ) ورد خبر عاد في عدة مصادر ، انظر الطبري 1 : 231 - 244 وأخبار الزمان : 81 - 82 ، وكتب التفسير ( سورة الأحقاف ) وكتب الأمثال ، والبكري ( مخ ) : 10 .
( 2 ) قارن بمعجم ما استعجم 1 : 119 .
( 3 ) الأصبغ بن نباتة عند البكري .
( 4 ) الاستبصار : 84 .
( 5 ) اخبار الزمان ( 108 ) : فيلمون ؛ حسن المحاضرة : سهلوق ؛ الاستبصار : 52 شوندين بن سلمون .