تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
فلا ينزلون ولا يرحلون إلا بأمره ، وبلغ من بغيه أنه اتخذ جرو كلب فكان إذا نزل منزلا فيه كلأ قذف ذلك الجرو فيه فيعوي فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا باذنه ، وكان يفعل هذا بحياض الماء فلا يردها أحد إلا باذنه أو من أذن بحرب ، فضرب به المثل في العزّ فقيل : أعز من كليب . وكان يحمي الصيد فيقول : صيد ناحية كذا في جواري فلا يصيد أحد منه شيئا ، ولا يمر بين يديه أحد إذا جلس ، ولا يحتبي أحد في مجلسه غيره . وكان لمرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة عشرة بنين ، جساس أصغرهم ، وكانت أخته عند كليب ، وكان قال لها : هل تعلمين على الأرض عربيا أمنع مني ذمة ؟ فسكتت ، ثم أعاد عليها الثانية فسكتت ، ثم أعاد الثالثة فقالت : نعم ، أخي جساس . وقيل إنه قال لها وهي تغسل رأسه ذات يوم : من أعز وائل ؟ فصمتت ، فأعاد عليها ، فلما أكثر قالت : نعم أخواي جسّاس وهمّام ، فنزع رأسه وأخذ القوس فرمى فصيل ناقة البسوس خالة جساس وجارة بني مرة فقتله ، فأغمضوا على ما فيه وسكتوا على ذلك ، ثم لقي كليب ابن البسوس فقال : ما فعل فصيل ناقتكم ؟ قال : قتلته وأخليت لنا لبن أمّه ، فأغمضوا على هذه أيضا ، ثم إن كليبا أعاد على امرأته فقال : من أعز وائل ؟ فقالت : أخواي ، فأضمرها وأسرّها في نفسه وسكت حتى مرت به إبل جساس فرأى الناقة فأنكرها فقال : ما هذه الناقة ؟ قالوا : لخالة جساس ، فقال : أوقد بلغ من أمر ابن السعدية أن يجير عليّ بغير اذني ، ارم ضرعها يا غلام ، فأخذ القوس فرمى ضرع الناقة فاختلط لبنها بدمها ، فراحت الرعاة على جساس فأخبروه بالأمر ، فقال : احلبوا لها مكيالي [ لبن ] بمحلبها ولا تذكروا لها من هذا شيئا ، ثم أغمضوا عليها أيضا ، حتى أصابهم سماء فغدا في غبها يتمطّر ، وركب جساس بن مرة وابن عمه عمرو بن الحارث ابن ذهل ، وطعن عمرو كليبا فحطم صلبه ، وقيل : سكت جساس حتى ظعن ابنا وائل ، فمرت بكر بن وائل بماء يقال له شبيث ، فنهاهم كليب عنه وقال : لا يذوقون منه قطرة ، ثم مروا على ماء آخر يقال له الأحصّ فنفاهم عنه ، ثم مروا على ماء آخر فمنعهم إياه ، فمضوا فنزلوا الذنائب ، قال : فاتبعهم كليب وحيّه حتى نزلوا عليه ، ثم مرّ عليه جساس وهو واقف على غدير الذنائب فقال : طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشا ، فقال كليب : ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون ، فمضى جساس ومعه ابن عمه المزدلف ، وقيل بل جساس ناداه فقال : هذا كفعلك بناقة خالتي ، فقال : أو قد ذكرتها ؟ أما إني لو وجدتها في غير إبل مرة لاستحللت تلك الإبل بها ، فعطف عليه جساس فرسه فطعنه برمح فأنفذ حضنيه ، فلما حضره الموت قال : يا جساس ، اسقني من الماء ، فقال : ما عقلت استسقاءك الماء مذ ولدتك أمّك إلا ساعتك هذه ، فعطف عليه المزدلف عمرو [ ابن ربيعة ] فاحتز رأسه ، فلما قتل كليبا أمال يده بالفرس حتى انتهى إلى أهله ، قال : وتقول أخته حين رأته لأبيها : يا أبتاه ، إن ذا الجساس أتى خارجا ركبتاه ، قال : ما خرجت ركبتاه إلا لأمر عظيم ، فلما جاء قال : ما وراءك يا بني ، قال : ورائي أني قد طعنت طعنة تشغل شيوخ وائل زمنا ، قال : أقتلت كليبا ؟ قال : نعم ، قال : وددت أنك وإخوتك متمّ قبل هذا ، ما بي إلا أن تتشاءم بي أبناء وائل . وكان همام بن مرّة آخى مهلهلا وعاقده ألا يكتمه شيئا ، فجاءت أمة له فأسرت إليه قتل جساس كليبا ، فقال له مهلهل : ما قالت ، فلم يخبره ، فذكره العهد بينهما فقال : أخبرت أن جساسا قتل كليبا ، فقال : است أخيك أضيق من ذلك ، وقيل قال له : أخبرتني أن أخي قتل أخاك ، قال : هو أضيق استا من ذلك . وتحمل القوم وغدا مهلهل بالخيل ، وقالت بنو تغلب بعضهم لبعض : لا تعجلوا على إخوتكم حتى تعذروا بينكم وبينهم ، فانطلق رهط من أشرافهم وذوي أسنانهم حتى أتوا مرة بن ذهل ، فعظموا ما بينهم وبينه وقالوا له : اختر منا خصالا ، إما أن تدفع الينا جساسا فنقتله بصاحبنا ، فلم يظلم من قتل قاتله ، وإما أن تدفع إلينا همّاما ، وإما أن تقيدنا من نفسك ، فسكت وقد حضرته وجوه بكر بن وائل فقالوا : تكلم غير مخذول ، فقال : أما جساس فغلام حديث السنّ ركب فرسه « 1 » حين خاف ولا علم لي به ، وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة ، ولو دفعته [ إليكم ] لصيح بنوه في وجهي وقالوا : دفعت أبانا للقتل بجريرة غيره ، وأما أنا فما أتعجل من الموت ؟ وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أول قتيل ، ولكن لكم في غير ذلك ، هؤلاء بنيّ فدونكم أحدهم فاقتلوه به ، وان شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها لكم بكر بن وائل ، فغضبوا وقالوا : لم نأتك لتؤدي « 2 » لنا بنيك ولا لتسومنا اللبن ، فتفرقوا ووقعت الحرب .
هامش
( 1 ) الأغاني : ركب رأسه . ( 2 ) الأغاني : لترذل .