سرّه ماله وكثرة ما يم * لملك والبحر معرض والسدير
السدير : سدير النخل وهو سواده وشخوصه ، يقال : سدير إبل وسدير نخل ، وقال الأصمعي : السدير بالفارسية : سه دلّى ، كان له ثلاث شعب ، وقيل : السدير النهر ، والخورنق « 1 » : خرنقاه أي الموضع الذي يأكل فيه الملك ويشرب ، والنجف : البساتين والمتنزهات التي يشرف الخورنق عليها .
وكان سبب « 2 » بناء الخورنق أن يزدجرد بن سابور الأثيم كان لا يبقى له ولد ، فسأل عن منزل صحيح من الأدواء والأسقام ، فذكر له ظهر الحيرة ، فدفع ابنه بهرام إلى النعمان بن امرئ القيس الأعور ، وأمره ببناء الخورنق مسكنا له فبناه في عشرين حجة ، وكان الذي بناه رجل يقال له سنمار ، فلما فرغ من بنيانه عجب الناس من حسنه واتقان عمله فقال : لو علمت أنكم توفوني أجري بنيته بناء يدور مع الشمس حيث ما دارت ، فقال النعمان :
وانك لتقدر أن تبني أفضل منه فلم تبنه ! ! فأمر به فطرح من رأس الخورنق ، فضربت به العرب المثل في الجزاء بالشرّ على فعل الخير ، وفيه يقول الشاعر :
جزى بنوه أبا غيلان عن كبر * وحسن فعل كما يجزى سنمّار
وقال آخر :
جزاني جزاه اللّه شرّ جزائه * جزاء سنمار بما كان يفعل
قال البكري : والخورنق هو الذي يعني الأسود بن يعفر في قوله :
والقصر ذي الشرفات من سنداد * وهذا الذي قاله غير صحيح ، فإن صدر البيت قوله :
أهل الخورنق والسدير وبارق وقدم ذكر الخورنق ثم عطف عليه القصر ذا الشرفات ، وقال أبو بكر : سنداد كان المنذر الأكبر اتخذه لبعض ملوك العجم ، وقال المنخّل « 3 » :
فإذا سكرت فإنني * ربّ الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني * رب الشويهة والبعير
وحكي ان أحد الملوك أشرف على النجف من أعلى الخورنق فقال لوزيره أو صاحب كان له : هل رأيت مثل هذا المنظر قط ؟
قال : لا لو كان يدوم ، قال له : فأين الذي يدوم ؟ قال : عند اللّه في الآخرة حيث لا موت ولا سقم ولا هرم ، قال : فبماذا يوصل إلى ذلك ؟ قال : بتركك الدنيا وعبادة اللّه تعالى ، فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح وترهّب وخرج هاربا لا يعلم به فسألوا عنه فلم يجدوه بعد ، ففي مثل هذا الوزير الصالح يقول صلّى اللّه عليه وسلّم : « من ولي شيئا من أمر الدنيا فأراد اللّه به خيرا جعل معه وزيرا صالحا ان نسي ذكره وإن ذكر أعانه » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من رجل من المسلمين أعظم أجرا من وزير صالح مع إمام يطيعه فيأمره بطاعة اللّه تعالى » .
وقال خالد بن صفوان بن الاهتم « 4 » : أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد أهل العراق ، قال : فقدمت عليه وقد خرج متبديا بقرابته وحشمه وغاشيته وجلسائه ، فنزل في أرض قاع صحيح منيف أفيح في عام قد كمل وسميّه وتتابع وليّه وأخذت الأرض زخرفها على اختلاف ألوان زينتها من نور ربيع مونق فهي في أحسن منظر وأجمل مختبر ، بصعيد كأنه قطع الكافور ، وقد ضرب له سرادق من حبرة كان يوسف بن عمر صنعه له باليمن فيه فسطاط وفيه أفرشة من خز أحمر مثلها مرافقها ، وعليه درّاعة من خز أحمر مثلها عمامتها ، وقد أخذ الناس مجالسهم ، قال : فأخرجت رأسي من ناحية السماط فنظر إليّ شبه المستنطق فقلت له : أتم اللّه عليك يا أمير المؤمنين نعمه وسوغكها بشكره وجعل ما قلدك من هذا الأمر رشدا ، وعاقبة ما يؤول إليه حمدا أخلصه لك بالبقاء وكثره عليك بالنماء ولا كدر عليك منه ما صفا ولا خلط سروره بالردى ، فقد أصبحت للمؤمنين ثقة ومستراحا وملجأ ، إليك يقصدون في مطالبهم ويفزعون في
هامش
( 1 ) تكرار لما تقدم في أول المادة .
( 2 ) متابع للنقل عن معجم البكري ، وانظر الخزانة 1 : 142 .
( 3 ) ص ع : المخبل ، والشاعر هو المنخل اليشكري ، وقصيدته هي الحماسية رقم : 174 ( شرح المرزوقي ) .
( 4 ) انظر حديث خالد في عيون الأخبار 2 : 341 مع اختلافات في الرواية .