الرسالة ( صلى الله عليه وآله ) في تحقيق هذا الأمر وتثبيت أركانه ، في وقت شهدت فيه البشرية جمعاء
ضياعا ملحوظا في جميع قيمها ومعتقداتها ، وخلطا وتزييفا مدروسا في مجمل
عقائدها ومرتكزات أفكارها ، كرس بالتالي مسارها المبتعد عن الخط السماوي
ومناهجه السوية ، وأن أي استعراض لمجمل القيم السائدة آنذاك - والتي كانت
تؤلف المعيار الأساسي والمفصل المهم الذي تستند إليه مجموع السلوكيات الفردية
والجماعية ، وتشذب من خلاله - يكشف عن عمق المأساة التي كانت تعيشها تلك
الأمم في تلك الأزمنة الغابرة .
فمراكز التشريع الحاكمة آنذاك - والتي تعتبر في تصور العوام وفهمهم مصدر
القرار العرفي والشرعي المدير لشؤون الناس والمتحكم بمصائرهم ومسار
تفكيرهم - تنحصر في ثلاثة مراكز معلومة أركانها الأساسية : اليهود بما يمتلكونه
من طرح عقائدي وفكري يستند إلى ثروات طائلة كبيرة ، والصليبيون بما يؤلفونه
من قوة مادية ضخمة تمتد مفاصلها ومراكزها إلى أبعد النقاط والحدود ، وأصحاب
الثروة والجاه من المتنفذين والمتحكمين في مصائر الناس .
ومن هنا فإن كل الضوابط الأخلاقية والمبادئ العرفية والعلاقات الروحية
والاجتماعية كانت تخضع لتشذيب تلك المراكز وتوجيهها بما يتلاءم وتوجهاتها التي
لا تحدها أي حدود .
إن هذه المراكز الفاسدة كانت تعمل جاهدة لأن تسلخ الإنسان من كيانه
العظيم الذي أراده الله تعالى له ، ودفعه عن دوره الكبير الذي خلق من أجله عندما
قال تعالى للملائكة : { إني جاعل في الأرض خليفة } ( 1 ) بل تعمل جاهدة لأن
تحجب تماما رؤية هذه الحقيقة العظيمة عن ناظر الإنسان ليبقى دائما بيدقا أعمى
تجول به أصابعهم الشيطانية لتنفيذ أفكارهم المنبعثة من شهواتهم المنحرفة .
هامش
( 1 ) البقرة : 30 .