على الخلق " ما هذا نصه : " وزاد الحق غموضا وخفاء أمران : أحدهما : خوف
العارفين - مع قلتهم - من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز
التقية عند ذلك بنص القرآن ، وإجماع أهل الإسلام ، وما زال الخوف مانعا من
إظهار الحق ، ولا برح المحق عدوا لأكثر الخلق ، وقد صح عن أبي هريرة - رضي الله
عنه - أنه قال في ذلك العصر الأول : " حفظت من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعاءين ، أما
أحدهما فبثثته في الناس ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم " ( 1 ) .
3 - وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه : { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من
أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } : ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة ،
وإلانة الكلام لهم ، والتبسم في وجوههم ، وبذل المال لهم ، لكف أذاهم وصيانة
العرض منهم ، ولا يعد هذا من الموالاة المنهي عنها ، بل هو مشروع ، فقد أخرج
الطبراني قوله ( صلى الله عليه وآله ) : " ما وقى المؤمن به عرضه فهو صدقة " ( 2 ) .
إن الشيعة تتقي الكفار في ظروف خاصة لنفس الغاية التي لأجلها يتقيهم
السني ، غير أن الشيعي ولأسباب لا تخفى ، يلجأ إلى اتقاء أخيه المسلم لا قصور في
الشيعي ، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك ، لأنه يدرك أن الفتك والقتل مصيره إذا
صرح بمعتقده الذي هو موافق لأصول الشرع الإسلامي وعقائده ، نعم كان
الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول : إن الله ليس له جهة ، أو إنه تعالى
لا يرى يوم القيامة ، وإن المرجعية العلمية والسياسية لأهل البيت بعد رحيل النبي
الأكرم ، أو إن حكم المتعة غير منسوخ ، فإن الشيعي إذا صرح بهذه الحقائق - التي
استنبطت من الكتاب والسنة - سوف يعرض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر .
وقد مر عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي الصريح في جواز هذا
هامش
( 1 ) جمال الدين القاسمي ، محاسن التأويل : 4 : 82 .
( 2 ) مصطفى المراغي ، التفسير 3 : 136 .