وأثمر ومنها انحدر إلى سائر البلدان ، بعد ما كان الحجاز مهبط التشيع ومغرسه
ومحتده . فكان حجازي المحتد والمغرس ، عراقي النشوء والنمو ، ولم يكن يوم ذاك
يتظلل في ظلال التشيع إلا عربي صميم ، من عدناني وقحطاني ، ولم يكن بينهم
فارسي ولا بربري الأصل ولا شعوبي العقيدة يمقت العرب .
وهكذا فإنا يمكننا القول بأن مهد التشيع الأول كان في أرض الحجاز الطيبة
ومنها درج واشتد حتى تسامق وتطاول وأصبح له وجود في كل بقاع المعمورة .
ولا زال الشيعة يعيشون مع إخوانهم المسلمين في مكة المكرمة ، والمدينة
المنورة ، وحضرموت ، ونجران ، وغيرها ، كما توجد في أنحاء من أرض الحجاز
الكثير من القبائل العربية الشيعية أمثال بني جهم ، وبنو علي ، وغيرهم .
وأما المنطقة الشرقية كالأحساء والقطيف والدمام ، فأكثر سكانها من الشيعة .
التشيع عراقي النشوء والنمو :
قد عرفت أنه لما غادر الإمام المدينة المنورة متوجها إلى العراق واستوطن
الكوفة هاجر كثير من شيعته معه واستوطنوا العراق ، فصار ذلك أقوى سبب
لنشوء التشيع ونموه في العراق ، ولا سيما في الكوفة ، فصارت معقل الشيعة ، ولما
قضى الإمام نحبه حاولت السلطة الأموية وعمالها استئصال التشيع منها بأبشع
صورة مستخدمة في ذلك شتى الأساليب الإجرامية الرهيبة من دون أي وازع من
ضمير .
وبالرغم من أن العراق وأخص منه الكوفة كان علوي النزعة هاشمي الولاء ،
إلا أن الحسين ابن الإمام علي ( عليهما السلام ) قتل بسيف الكوفيين ، وسقط عطشان وحوله
أجساد أبنائه وأبناء أخيه وأصحابه ، إلا أن ذلك لا يدل على انسلاخهم عن
التشيع ، لأن الشيعة يوم ذاك كانوا بين مسجون في زنزانات الأمويين ، أو مرعوب
أضواء على عقائد الشيعة الإمامية — صفحة 314
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣١٤