فيلفت أنظار الجميع إلى الحِكَمِ المبثوثة في أرجاء الكون بما يلقنه من دروس مقدسة سامية وإرشادات حكيمة مبيناً بأجمل صورة وأجلاها ، المقاصد الإلهية من ظهوره في هذا المستوى المعرفي ، قال تعالى :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
« 1 » ، هذه الأسوة التي تمثلت في سيرة شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان :
« فهي تحكي لنا سيرة الشاب الأمين المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة . كما تحكي لنا سيرة الداعي إلى الله المتلمس أجدى الوسائل لقبول دعوته ، الباذل منتهى طاقته وجهده في إبلاغ رسالته . كما تحكي لنا سيرة رئيس الدولة الذي يضع لدولته أقوم النظم وأصحها ويحميها بيقظته واخلاصه وصدقه بما يكفل لها النجاح . كما تحكي لنا سيرة الزوج والأب في حُنُو العاطفة وحُسن المعاملة والتمييز الواضح بين الحقوق الواجبات لكل من الزوج والزوجة والأولاد . كما تحكي لنا سيرة الصديق الذي يقوم بواجبات الصحبة ويفي بالتزاماتها وآدابها . كما تحكي لنا سيرة المحارب الشجاع ، والقائد المنتصر ، والسياسي الناجح ، والجار الأمين ، والمعاهد الصادق .
كما تحكي لنا سيرة الشيخ المربي المرشد ، الذي يشرف على تربية أصحابه ومريديه تربيةً مثاليةً ، ينقل فيها من نفسه إلى نفوسهم ومن روحه إلى روحهم ومن سره إلى أسرارهم ، ما يجعلهم يحاولون الاقتداء به في دقيق الأمور وكبيرها ، ما يجعلهم يحبونه كحبهم لأنفسهم وأكثر من حبهم لأهليهم وأقربائهم .
وقصارى القول : هذه هي حكمة التن - زل المعرفي ، وغايته الدالة على الحق والحقيقة ، ابتداءً من أقل مراتب المعرفة الظاهرية المتمثلة بالأمية والباطنية المتمثلة بالفطرة الباحثة عن خالق الكون وانتهاءً بأعلى مقام معرفي على الإطلاق ، مقام قاب قوسين أو أدنى ، ومروراً بكل مراحل الترقي ومراتب السمو ودرجات الكمال التي يتصور أن يحصل عليها مخلوقٌ من مخلوقات الله . فما كان سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلا حياةً روحية محضة تمرُّ فيها المعاني الإلهية لتظهر للناس إلهية مفسرة ، وكلُ حياته صلى الله تعالى عليه وسلم دروسٌ مفننةٌ مختلفةُ المعاني ، ولكنها في جملتها تخاطب
هامش
( 1 ) - الأحزاب : 21 .