تقتله مرة واحدة وذلك بالجهاد في سبيل الله لتستريح من هذا التعب المضني والمجاهدة اليومية والمنع والحظر والترويض والتأديب والتربية .
ولما علم هذا العبد الصالح هذا عن نفسه ، رفض السفر للغزو والجهاد واشتغل بتربية نفسه وتأديبها ، أي من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، وإذا حكمنا بميزان الظاهر على هذا العبد أدين لتكاسله عن الغزو أما إذا ما تم الحكم عليها ظاهراً وباطناً وجدناه سائراً في طريق الله يبغي الثواب الأعظم « 1 » .
فالشريعة والحقيقة صنوان لا بد لأحدهما من الآخر ، أما إذا أظهر الإنسان الطاعة الظاهرة بلا طاعة باطنة فإن ذلك معناه أنه خرج عن طريق الله ، لأنه قد وقع في الرياء الخفي ، لأن تطلع الإنسان وميله لإظهار الناس بطاعته وخصوصيته التي خصه الله بها من الأعمال الصالحة دليل على عدم صدقه في عبوديته ، لأن العبد الصادق لا يهتم بالآخرين ، ويكتفي بأن يعلم به رب العالمين ، ومن أحب أن يعرف الناس فضله وعمله فهو مراء ومن رغب في أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب ، إذ إن المؤمن الحقيقي هو الذي يخفي حاله ويجتهد في أن يجتهد في أن لا يذكره للناس وأن يبلغ في كتمانه أقصى ما لديه من قوة .
والإنسان الذي يعصي الله أخف ضرراً من هذا المرائي ، لأن العاصي إنما هو ظاهر للناس ، ويمكن أن يقام عليه الحد ، ويمكن أن يتوب ويرجع عن آثامه وأخطائه ، وأما مريض القلب الذي يظهر غير ما يبطن فهو أكثر نفاقاً وكذباً ورياء من العاصي فهو يستظهر الطاعات والأعمال الصالحات ويبطن الكفر والفسوق والعصيان .
والطاعة مسابقة بين العباد في الظاهر والباطن ، فكما أن بين الناس اختلافاً واضحاً في الطاعات الظاهرة فإن بينهم أيضاً اختلافاً واضحاً في الطاعات الباطنية ، فإذا طلب الإنسان أعلى الدرجات ، فعليه أن يجتهد حتى لا يسبقه أحد بطاعة الله ، وقد أمر الله تعالى بالمنافسة والمسابقة في الطاعات إذ قال تعالى
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
« 2 » وقوله تعالى
هامش
( 1 ) - الشيخ عبد الحميد الشرنوبي الأزهري شرح تائية السلوك إلى ملك الملوك - ص 72 .
( 2 ) - الحديد : 21 .