وتهذيب الأخلاق ، وغرس العقيدة ، ورسوخ الإيمان ، لأن هذه أمور لا تنال بقراءة الكتب ، ومطالعة الكراريس ، إنما هي خصال عملية وجدانية ، تقتبس بالاقتداء ، وتنال بالاستقاء القلبي والتأثر الروحي .
ومن ناحية أخرى ، فكل الإنسان لا يخلو من أمراض قلبية ، وعلل خفية لا يدركها بنفسه ، كالرياء والنفاق والغرور والحسد ، والأنانية وحب الشهرة والظهور ، والعجب والكبر والبخل . . . بل قد يعتقد أنه أكمل الناس خلقاً ، وأقومهم ديناً ، وهذا هو الجهل المركب ، والضلال المبين .
قال تعالى :
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
« 1 »
فكما أن المرء لا يرى عيوب وجهه إلا بمرآة صافية مستوية ، تكشف له عن حقيقة حاله ، فكذلك لا بد للمؤمن من أخ مؤمن مخلص ناصح صادق ، أحسن منه حالًا ، وأقوم خلقاً ، وأقوى إيماناً ، يصاحبه ويلازمه ، فيريه عيوبه النفسية ويكشف له عن خفايا أمراضه القلبية إما بقاله أو بحاله . ولهذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم :
المؤمن مرآة المؤمن
« 2 » .
علينا أن نلاحظ أن المرايا أنواع وأشكال ، فمنها الصافية المستوية ومنها الجرباء التي تشوه جمال الوجه ، ومنها التي تكبر أو تصغر .
وهكذا الأصحاب ، فمنهم الذي لا يريك نفسك على حقيقتها ، فيمدحك ، حتى تظن في نفسك الكمال ، ويدخل عليك الغرور والعجب ، أو يذمك حتى تيأس وتقنط من إصلاح نفسك .
أما المؤمن الكامل فهو المرشد الصادق الذي صقلت مرآته بصحبة مرشد كامل ، ورث عن مرشد قبله وهكذا حتى برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو المرآة التي جعلها الله تعالى المثل الأعلى
هامش
( 1 ) - الكهف : 103 .
( 2 ) - مجمع الزوائد ج : 7 ص : 264 ، انظر فهرس الأحاديث . .