قال : " من صمت نجا " إسناده ضعيف ، وإنما ذكرته لأبينه لكونه مشهورا ( 1 ) ، والأحاديث
الصحيحة بنحو ما ذكرته كثيرة ، وفيما أشرت به كفاية لمن وفق ، وسيأتي إن شاء الله في
" باب الغيبة " جمل من ذلك ، وبالله التوفيق .
وأما الآثار عن السلف وغيرهم في هذا الباب فكثيرة ، ولا حاجة إليها مع ما سبق ،
لكن ننبه على عيون منها ، بلغنا أن قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا ، فقال
أحدهما لصاحبه : كم وجدت في ابن آدم من العيوب ؟ فقال : هي أكثر من أن تحصى ،
والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب ، ووجدت خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها ،
قال : ما هي : قال : حفظ اللسان .
1029 - وروينا عن أبي علي الفضيل بن عياض رضي الله عنه قال : من عد كلامه
من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه ، وقال الإمام الشافعي رحمه الله لصاحبه الربيع ( 2 ) :
يا ربيع لا تتكلم فيما لا يعنيك ، فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها .
1030 - وروينا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ما من شئ أحق بطول
السجن من اللسان . وقال غيره : مثل اللسان مثل السبع إن لم توثقه عدا عليك .
وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله في " رسالته " المشهورة قال :
الصمت سلامة ، وهو الأصل ، والسكوت في وقته صفة الرجال ، كما أن النطق في
موضعه أشرف الخصال ، قال : سمعت أبا علي الدقاق رضي الله عنه يقول : من سكت
عن الحق فهو شيطان أخرس . قال : فأما إيثار أصحاب المجاهدة السماوات ، فلما علموا
ما في الكلام من الآفات ، ثم ما فيه من حظ النفس وإظهار صفات المدح ، والميل إلى أن
يتميز بين أشكاله بحسن النطق وغير هذا من الآفات ، وذلك نعت أرباب الرياضة ، وهو
أحد أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق .
ومما أنشدوه في هذا الباب :
احفظ لسانك أيها الإنسان * لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه * قد كان هاب لقاءه الشجعان
هامش
( 1 ) ولكن له شواهد بالمعنى ، منها ما رواه الطبراني في " حسن الصمت " عن أبي ذر قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
" عليك بطول لصمت إلا من خير ، فإنه مطردة للشيطان عنك ، وعون لك على أمر دينك " وسنده جيد كما
قال الحافظ السخاوي في " المقاصد الحسنة " ، وقد صنف ابن أبي الدنيا في الصمت جزاء حافلا ، ولخصه
السيوطي مع زيادة وسماه " حسن الصمت " .
( 2 ) هو الربيع بن سليمان المرادي .