وكذا إذا دخل مسجدا أو بيتا لغيره ليس فيه أحد ، يستحب أن يسلم ، وأن يقول : السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين ، السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته .
فصل : إذا كان جالسا مع قوم ثم قام ليفارقهم ، فالسنة أن يسلم عليهم .
739 - فقد روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الجيدة ( 1 ) عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم ،
فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة " قال الترمذي : حديث
حسن .
قلت : ظاهر هذا الحديث أنه يجب على الجماعة رد السلام على هذا الذي سلم
عليهم وفارقهم ، وقد قال الإمامان القاضي حسين وصاحبه أبو سعد المتولي : جرت عادة
بعض الناس بالسلام عند مفارقة القوم ، وذلك دعاء يستحب جوابه ولا يجب ، لأن التحية
إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف ، وهذا كلامهما ، وقد أنكره الإمام أبو بكر
الشاشي الأخير من أصحابنا وقال : هذا فاسد ، لأن السلام سنة عند الانصراف كما هو
سنة عند الجلوس ، وفيه هذا الحديث ، وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب . .
فصل : إذا مر على واحد أو أكثر ، وغلب على ظنه أنه إذا سلم لا يرد عليه ، إما
لتكبر الممرور عليه ، وإما لإهماله المار أو السلام ، وإما لغير ذلك ، فينبغي أن يسلم ولا
يتركه لهذا الظن ، فإن السلام مأمور به ، والذي أمر به المار أن يسلم ، ولم يؤمر بأن
يحصل الرد ، مع أن الممرور عليه قد يخطئ الظن فيه ويرد . وأما قول من لا تحقيق
عنده : إن سلام المار سبب لحصول الإثم فحق الممرور عليه ، فهو جهالة ظاهرة ،
وغباوة بينة ، فإن المأمورات الشرعية لا تسقط عن المأمور بها بمثل هذه الخيالات ، ولو
نظرنا إلى هذا الخيال الفاسد لتركنا إنكار المنكر على من فعله جاهلا كونه منكرا ،
وغلب على ظننا أنه لا ينزجر بقولنا ، فإن إنكارنا عليه ، وتعريفنا له قبحه يكون سببا لإثمه
هامش
( 1 ) قال ابن علان : قال الحافظ : مخرج هذا الحديث واحد ، وإن تعددت الأسانيد إلى محمد بن عجلان .
( 2 ) بل كلتاهما حق وسنة مشيرة إلى حسن المعاشرة وكرم الأخلاق ولطف الفتوة ولطافة المروءة ، فإنه إذا
فارقهم من غير سلام عليهم ربما يتشوش أهل المجلس من فرقهم وهو ساكت ، فكانت التسليمة الأولى
إخبارا عن سلامتهم من شره عند الحضور ، فكذا الثانية إخبار عن سلامتهم منشره عند الغيبة ، وليست
السلامة عند الحضور أولى منها عند الغيبة ، بل الثانية أولى .