الامتثال من غير حظ النفس .
وأما المدينة : فإذا لاحت لك فتذكر أنها البلدة التي أختارها اللَّه لنبيه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم وشرع إليها هجرته ، وجعل فيها بيته ، ثم مثّل في نفسك مواضع أقدام رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم عند تردده فيها ، وتصور خشوعه وسكينته ، فإذا قصدت زيارة القبر ، فأحضر قلبك لتعظيمه ، والهيبة له ، ومثل صورته الكريمة في خيالك ، واستحضر عظيم مرتبته في قلبك ، ثم سلم عليه واعلم أنه عالم بحضورك وتسليمك » « 1 » .
[ مقارنة - 1 ] : في الفرق بين حج العوام وحج الخواص
يقول الشيخ نجم الدين الكبرى :
« حج العوام قصد البيت وزيارته ، وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده » « 2 » .
ويقول الإمام القشيري :
« الحج على لسان الإشارة : هو القصد ، فقصد إلى بيت الحق ، وقصد إلى الحق . فالأول حج العوام والثاني حج الخواص .
وكما أن الذي يحج بنفسه يحرم ، ويقف ، ثم يطوف بالبيت ، ويسعى ، ثم يحلق ، فكذلك من يحج بقلبه ، فإحرامه بعقد صحيح على قصد صريح ، ثم يتجرد عن لباس مخالفاته وشهواته ، ثم باشتماله بثوبي صبره وفقره ، وإمساكه عن متابعة حظوظه من اتباع الهوى ، وإطلاق خواطر المنى ، وما في هذا المعنى .
ثم الحاج أشعث أغبر تظهر عليه آثار الخشوع والخضوع ، ثم تلبية الأسرار باستجابة كل جزء منك .
وأفضل الحج الشجُّ والعجَّ ، الشج صب الدم ، والعج رفع الصوت بالتلبية ، فكذلك سفك دم النفس بسكاكين الخلاف ، ورفع أصوات السر بدوام الاستغاثة ، وحسن الاستجابة ، ثم الوقوف بساحات القربة باستكمال أوصاف الهيبة .
وموقف النفوس عرفات ، وموقف القلوب الأسامي والصفات لعز الذات عند
هامش
( 1 ) الإمام أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي - مختصر منهاج القاصدين - ص 63 - 64 0
( 2 ) الشيخ إسماعيل حقي البروسوي - تفسير روح البيان - ج 1 ص 313 .