وتاسعها : أن الباء حرف كامل في صفات نفسه : بأنه للإلصاق ، والاستعانة ، والإضافة ، مكمل لغيره : بأن يخفض الاسم التابع له ويجعله مكسوراً متصفاً بصفات نفسه ، وله علو وقدرة في تكميل الغير بالتوحيد والإرشاد ، كما أشار إليه سيدنا علي كرّم اللَّه وجهه بقوله : ( أنا النقطة تحت الباء ) . فالباء له مرتبة الإرشاد ، والدلالة على التوحيد .
وعاشرها : أن الباء حرف شفوي تنفتح الشفة به ما لا تنفتح بغيره من الحروف الشفوية ، ولذلك كان أول انفتاح فم الذرة الإنسانية في عهد : (
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
) « 1 » بالباء في جواب بلى . فلما كان الباء أول حرف نطق به الإنسان وفتح به فمه وكان مخصوصاً بهذه المعاني : اقتضت الحكمة الإلهية اختياره من سائر الحروف ، فاختارها ، ورفع قدرها ، وأظهر برهانها ، وجعلها مفتاح كتابه ومبدأ كلامه وخطابه تعالى وتقدس » « 2 » .
ويقول الشيخ عبد الكريم الجيلي قدس اللَّه سره :
« جعل الحق حرف الباء أول القرآن في كل سورة ، لأن أول ما بينك وبين ذاته سبحانه ظلمة وجودك ، فإذا فنى ولم يبق إلا هو كانت أسماؤه وصفاته التي هي منه حجاب عليك فتلك جميعها نورانية ، ألا ترى أن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
كلها حروف » « 3 » .
[ مسألة - 3 ] : الباء ومنزلتها من الألف
يقول الشيخ أبن علوية المستغانمي :
« عندما عرفت الباء منزلتها عند الألف قامت بما وجب عليها تعريفاً وتكليفاً ، فمن التعريف : التصاقها ببقية الحروف ، لأنها من جنسها ، بخلاف الألف ، فإنه لا يتصل بالحروف إذا كان في أولها ، إنما الانتهاء اليه : (
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
) « 4 » . وإن خصصت الباء بمعاني كثيرة فثمرة جميع معانيها راجعة لمعرفة الألف فنقول : هي سبب أو
هامش
( 1 ) الأعراف : 172 .
( 2 ) الشيخ إسماعيل حقي البروسوي - تفسير روح البيان - ج 1 ص 7 .
( 3 ) الشيخ عبد الكريم الجيلي - الكهف والرقيم في شرح بسم اللَّه الرحمن الرحيم - ص 12 .
( 4 ) النجم : 42 .