ولم يقل له الشيخ شيئاً حتى بلغا إلى محلة العبيد الذي يقال لهم السناكم يأكلون الميتات ويشربون المسكرات ولا يعرفون الصلوات ، وإذا بهم يشربون ويلعبون ويلهون ويطربون ويغنون ويضربون ، فقال الشيخ للتلميذ : ائتني بهذا الشيخ الطويل الذي يضرب الطبل ، فأتاه التلميذ ، فقال له : أجب الشيخ ، فرمى الطبل من رقبته ومشى معه إلى الشيخ .
قال : فلما وقفنا بين يديه ، قال الشيخ للتلميذ : اضربه بالقصب ، فضربه حتى استوفى منه الحد ، ثم قال الشيخ : امش أمامنا ، فمشى حتى بلغوا البحر ، فأمره الشيخ أن يغسل ثيابه ويغتسل ، وعلمه كيفية ذلك ، وكيفية الوضوء ، ففعل ثم علمه كيف يصلي وتقدم الشيخ وصلى بهما الظهر ، فلما فرغوا من الصلاة قام الشيخ ووضع سجادته على البحر وقال له تقدم ، فقام ووضع قدميه على السجادة ، ومشى على الماء حتى غاب عن العين ، فالتفت التلميذ إلى الشيخ وقال : وامصيبتاه واحسرتاه لي معك كذا وكذا سنة ما حصل لي شيء من هذا ، وهذا في ساعة واحدة حصل له هذا المقام ، وهذه الكرامات العظام ، فبكى الشيخ وقال : يا ولدي وإيش كنت أنا ؟ هذا فعل اللَّه تعالى ، قيل لي فلان من الأبدال توفي فأقم فلاناً مقامه ، فامتثلت الأمر كما تمتثل الخدام وودت أنه حصل لي هذا المقام » « 1 » .
البدلاء
الشيخ الأكبر ابن عربي قدس اللَّه سره
يقول : « ومنهم رضي اللَّه عنهم [ الأولياء ] اثنتا عشر نفساً : وهم البدلاء ، ما هم الأبدال ، وهم في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون . وسموا بدلاء : لأن الواحد منهم لو لم يوجد الباقون ناب منابهم وقام بما يقوم به جميعهم ، فكل واحد منهم في عين الجميع . . . ويلتبس على الناس أمرهم مع الأبدال من جهة الاسم ، ويشبهون النقباء من جهة العدد . آيتهم من كتاب اللَّه تعالى قول بلقيس : (
كَأَنَّهُ هُوَ
) « 2 » ، تعني : عرشها وهو هو ، فما شبهته إلا بنفسه وعينه لا بغيره . وإنما شوش عليها بُعد المسافة المعتاد ، وبالعادات
هامش
( 1 ) الشيخ عبد اللَّه اليافعي - روض الرياحين في حكايات الصالحين - ص 248 - 249 .
( 2 ) النمل : 42 .