تحريك التغيير فيها من الداخل . لذلك كانت الحداثة بهذا الاعتبار تعني أولا وقبل كل شيء حداثة المنهج وحداثة الرؤية ، والهدف : تحرير تصوّرنا ل « التراث » من البطانة الإيديولوجية والوجدانية التي تضفي عليه ، داخل وعينا ، طابع العام والمطلق وتنزع عنه طابع النسبية والتاريخية . ( الجابري ، التراث والحداثة ، 15 ، 21 ) .
- كلا ، ليست الحداثة موقفا فرديّا إلّا من حيث ارتباطها بانبثاق روح النقد والإبداع داخل ثقافة ما ، باعتبار أن النقد والإبداع كلاهما عمل فردي ، يقوم به أفراد بوصفهم أفرادا لا بوصفهم جماعة . ولكن ، مع ذلك ، فهي ليست موقفا سلبيّا انعزاليّا ، ليست انكفاء على الذات . إن الحداثة هي ، على الرغم من الأهمية التي تعطيها للفرد كقيمة في ذاته ، ليست من أجل ذاتها بل هي دوما من أجل غيرها ، من أجل عموم الثقافة التي تنبثق فيها . الحداثة من أجل الحداثة لا معنى لها .
الحداثة رسالة ونزوع من أجل التحديث ، تحديث الذهنية ، تحديث المعايير العقلية والوجدانية . وعندما تكون الثقافة السائدة ثقافة تراثية فإن خطاب الحداثة فيها يجب أن يتّجه ، أولا وقبل كل شيء إلى « التراث » بهدف إعادة قراءته وتقديم رؤية عصرية عنه .
واتّجاه الحداثة بخطابها ، بمنهجيّتها ورؤاها ، إلى « التراث » هو ، في هذه الحالة ، اتّجاه بالخطاب الحداثي إلى القطاع الأوسع من المثقّفين والمتعلّمين ، بل إلى عموم الشعب ، وبذلك تؤدّي رسالتها . أما التقوقع في فردية نرجسية فإنه يؤدّي حتما إلى غربة انتحارية ، إلى التهميش الذاتي . ( الجابري ، التراث والحداثة ، 17 ، 16 ) .
- إن الحداثة لا تكون بالاحتذاء والتقليد ، بل تصنع بالخلق والإنتاج ، أيّا كان مدى الإفادة من الغير ، وأيّا كان مبلغ التأثّر بالمنجزات الحديثة . إنها لا تتحقّق من غير إبداع يتجسّد انقلابا في الفكر ، أو طفرة في المعرفة ، أو تغيّرا في الرؤى والمفاهيم ، وتبدلا في المناهج والأساليب . بهذا المعنى لا يصبح الواحد حديثا ، ما لم يصنع حداثته ، بالتعامل مع هويته وخصوصيته على نحو جديد ومبتكر ، فعّال ومثمر . ومن يفعل ذلك ، يسهم في صنع الحداثة العالمية ، إغناء أو تجاوزا ، بابتكاره في مجال من مجالات .
وهكذا لن نكون حديثين أو حداثيين ما لم يؤت لنا أن نسهم في صنع العالم بطريقة من الطرق ، بصنع أداة أو سلعة ، بابتكار صيغة أو فكرة . ( علي حرب ، أوهام النخبة ، 94 ، 12 ) .
- الحداثة ليست مجرّد دعوة أو رسالة نبشّر بها ، ولا هي مجرّد استعراض لما أنجزه الفكر الحديث . إنها بحسب ما نفكّر فيها ونصنعها ، خلق مستمرّ نتغيّر به بقدر ما نغيّر العالم ، ونصنع أنفسنا بقدر ما نصنع الأحداث . وهي تصنع ، اليوم ، على نحو يجعل الحدث يتجاوز دوما الكلام عليه .
وهذه سمة الحداثة في الأصل : كل تعريف لها يقع خلفها أو ما قبلها أو يشكّل انقلابا ضدّها . ( علي حرب ، الممنوع والممتنع ، 246 ، 6 ) .
- « الحداثة » فكرة محورية ومعاصرة ، تحتلّ في الوعي الفلسفي مكانة انغرست ونجحت أكثر في الفكر والحياة داخل المجتمعات
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد ) — صفحة 963
مساهمون: جيرار جهامي
ص٩٦٣