الذي هو حقّ من حقوق الإنسان ، إن لم يكن أبرزها . حتى يكون اختلاف الآخر عن الأنا أمرا لا جدال فيه ، أي حتى يتمّ « قبول كل فريق بالفريق الآخر كما هو » في معتقده ومذهبه ، وفي طقوسه ورموزه . ( علي حرب ، نقد الحقيقة ، 53 ، 20 ) .
- إن نقد الحقيقة لا يعني تبنّي الموقف السوفسطائي ، وإنما يعني أن اليقين لا يمكن إلّا أن يكون مغلقا ، ولهذا فهو يؤول في المنته إلى الدوغمائية التي تترجم تعصّبا وربما عنفا وإرهابا . وفضلا عن ذلك ، فالدوغمائية والوثوقية واليقينية ، كل هذه ليست نقيض الرّيبية والسفسطة . إنها سفسطة مضاعفة . ذلك أن خطاب اليقين والوثوق والإحكام يموّه الحقائق بقدر ما يحجب حقيقته ، أي آلياته في التمويه والتضليل .
ليست المسألة إذن أن نختار بين الوثوقية والريبية ، وإنما هي رؤية العلاقة بين الطرفين ، أي رؤية الحقيقة لا بوصفها نقيضا للسفسطة بل بوصفها استبعادا لوجهها الآخر الخفي الذي هو الخداع والتمويه . هذا ما يكشفه النقد : إن الذين ادّعوا أنهم يعلمون بالأمور ، العلم اليقين ، لم يفعلوا سوى أن مارسوا سفسطة مغلّفة . من هنا ضرورة النقد . نعم إنه لا علم بالأمور من دون قدر من الوضوح والوثوق ، أي لا علم من دون وجه يقيني . ولكن تاريخ الحقيقة يشهد على أن اليقين يتمّ على حساب الحقيقة . ( علي حرب ، نقد النص ، 22 ، 22 ) .
- يجب التوكيد على أن الحقيقة ليست في الذهن ، بل في التجربة . والتجربة الحقيقية الحيّة هي ما تؤدّي عمليّا إلى تغيير العالم .
وهكذا تكون النظرية الصحيحة وعيا بممارسة عملية تستهدف هذا التغيير . ( علي سعيد ، الثابت والمتحول 1 ، 33 ، 11 ) .
- الحقيقة هي قول منفصل عن قائلها . إنها ال « قيل » لأن مجموعة الحقائق العلمية التي يتدارسها الطلّاب والباحثون لم يعد لها صلة بأصحابها المخترعين . وليس من الضروري ذكر العالم أو الباحث الذي اخترع أو ابتكر ذلك القانون العلمي إلّا من باب العناية بتاريخ العلم فحسب . ( مطاع الصفدي ، استراتيجية التسمية ، 18 ، 26 ) .
- إن زمن الاعتقاد بوجود الحقيقة هناك وجودا موضوعيّا ، خارج الإنسان ، وما على الإنسان سوى تقبّلها سلبيّا ، قد ولّى إلى غير رجعة .
وقد ساهم في بلورة هذا التصوّر الجديد للحقيقة مجموعة من الثورات العلمية والفلسفية . لقد صارت الحقيقة - إن كانت موجودة فعلا - تابعة لشروط وحدود الإنسان القبلية ( كانط ) ، أو التاريخية - البيولوجية ( ماركس ، نيتشه ) ، أو النفسية ( فرويد ) ، أو اللغوية والتواصلية ( فتجنشتين ، هابرماس ) .
بل صار عقل ما بعد الحداثة أميل إلى التشكيك في وجود الحقيقة ذاتها باعثا الحياة في القولة السفسطائية المأثورة « الإنسان مقياس كل شيء » . فأصبحت الحقيقة عند بعضهم مثلا مجرّد لعبة لغوية ذات قواعد مضبوطة تتعدّد بتغيّر قواعدها ؛ أو باتت نتيجة مصلحة اجتماعية أو فردية تختلف باختلاف المواقع والملابسات . وتمّ تعويض البحث عن الحقيقة بالبحث عن العلاقات
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد ) — صفحة 1087
مساهمون: جيرار جهامي
ص١٠٨٧