حضارة مسيحية
* في الفكر الحديث والمعاصر
- بتأمّل الحضارة المسيحية الحالية نجدها تسير سيرة الحضارة الإسلامية ، التي سبقتها في الزمن ، مهما يكن في هذا التقرير من غرابة - إذ من البيّن أن مولد المسيحية يسبق الإسلام بمراحل - ولكن التاريخ يؤيّدنا فيما نذهب إليه . ذلك أنه يقرّر : أن الحضارة تولد مرّتين ، أما الأولى : فميلاد الفكرة الدينية ، وأما الثانية : فهي تسجيل هذه الفكرة في الأنفس ، أي دخولها في أحداث التاريخ .
وإذا كانت المدنية الإسلامية قد جمعت المولدين في وقت واحد ، فإن ذلك يعود إلى الفراغ الذي وجدته الفكرة الإسلامية في النفس العربية العذراء ، التي لم تنشأ فيها ثقافة ، ولا ديانة سابقة ، فخلا لها بذلك الجو . ولم يكن حظّ الحضارة المسيحية في نفوس أهلها وبيئتها ، كحظّ الحضارة الإسلامية . فقد نشأت الفكرة المسيحية في وسط فيه الخليط من الديانات ، والثقافات العبرية ، الرومانية ، واليونانية ، فلم يتح لها أن تدخل إلى قلوب الناس وسط هذا الزحام الفكري الثقافي ، لتؤثّر فيها تأثيرا فعّالا . ولم يكتب لها أن تعمل عملها إلّا عندما بلغت وسط البداوة الجرمانية في شمال أوروبا ، حيث وجدت النفوس الشاغرة ، فتمكّنت منها ، وبعثت فيها الروح الفعّالة ، التي اندفعت بها لتكون حلقتها في سلسلة التاريخ . ( ابن نبي ، شروط النهضة ، 81 ، 14 ) .
حضر
* في اللّغة
- الحضر : خلاف البدو . والحاضر : خلاف البادي . . . المقيم في المدن والقرى ، والبادي : المقيم بالبادية . . . والحضارة :
الإقامة في الحضر . . . وكان الأصمعي يقول : الحضارة بالفتح . . . والحضر والحضرة والحاضرة : خلاف البادية ، وهي المدن والقرى والريف ، سمّيت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار . . . والحاضرة والحاضر : الحيّ العظيم أو القوم . . . وفلان حاضر بموضع كذا أي مقيم به . . .
وحاضرة : صفة طائفة أو جماعة . . .
وحاضرو المياه وحضّارها : الكائنون عليها قريبا منها لأنهم يحضرونها أبدا . . .
المحضر عند العرب : المرجع إلى أعداد المياه . ( لسان العرب ، حضر ، 4 / 197 - 198 ) .
* في العلوم الاجتماعية والسياسية
- أهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها ، قد تلوّثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشرّ ، وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك . حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم . ( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 474 ، 13 ) .
- إنّ أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدّعة ، وانغمسوا في النعيم والترف ، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن