يجمع فيه الماضي والمستقبل من هذا الزمان ، ومكانهم مكان يحضر فيه جميع ما يسعه السماوات والأرض ، ومع ذلك تكون الجنّة ونعيمها من المحسوسات بلا شبهة ، إلّا أنّها ليست طبيعية ماديّة ، بل محسوسته ، ووجودها وجود إدراكي حيواني مجرّد عن عالم الطبيعة والهيولى المستحيلة الكائنة الفاسدة ، كما أن ما يراه الإنسان في عالم نومه محسوسات بلا شبهة إلّا أنّها غير طبيعية . ( سري ، 231 ، 5 )
- أمّا الجنّة فهي كما دلّ عليه الكتاب والسنّة مطابقا للبرهان والكشف دار البقاء ودار السلام لا موت فيها ولا هرم ولا سقم ولا غمّ ولا همّ ولا دثور ولا زوال ، وهي دار المقامة والكرامة لا يمسّ أهلها فيها نصب ولا لغوب ، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين وهم فيها خالدون ، وإنّها دار أهلها جيران اللّه وأولياؤه وأحبّاؤه وأهل كرامته ، وإنّهم على مراتب متفاضلة منهم المتنعّمون بتسبيح اللّه وتقديسه وتكبيره في جملة ملائكته المقرّبين ، ومنهم المنعمون باللّذات المحسوسة كأنواع المأكل والمشارب والفواكه والأرائك ونكاح حور العين ، واستخدام الولدان المخلّدين ، والجلوس على النمارق والزرابي ، ولبس السندس والحرير والإستبرق ، وكل منهم إنّما يتلذّذ بما يشتهي ويريد على حسب ما تعلّقت به همّته ، وبالجملة مبادئ الأكوان في عالم الجنان إنّما هي الأمور الإدراكية والجهات الفاعلية ، ولا دخل للمواد والأسباب القابلية لأنّ وجود الأشياء هناك وجود صوري من غير مادة ولا حركة ولا انفعال وتجدّد وانتقال . ( سفع ( 4 / 2 ) ، 319 ، 12 )
- حقيقة الجنّة هي القرب من اللّه ومجاورة الحقّ الأول ، لا المعنى المصدري بل ما به يتقرّب منه ويتجاور - على قياس ما أشرنا في معنى البعد عن رحمة اللّه - فمن ههنا يعلم معنى " جهنّم " بالذات وهي الهاوية - لكونها في غاية الهبوط والنزول والبعد عن اللّه العلي العظيم - والنار - لكونها قطاعة نزاعة للشوي - والحطمة الكبرى - لكونها يحطم ويهلك ما يقع فيها لوقوعها في حاشية العدم وليست بعدم محض ليحصل بها الخلاص ، وشأن ما يجاور العدم وليس بعدم ما أشار إليه تعالى بقوله :
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ
( إبراهيم : 17 ) . ( تفسق ( 5 ) ، 264 ، 18 )
- إذا ثبت أنّ لكل حقّ حقيقة ولكل محسوس معقولا فيحتمل أن يراد من الجنّات :
الجنّات العقلية . فإنّ الجنّة جنّتان : جنّة محسوسة بالحواس الأخروية ، وجنّة معقولة مشاهدة ببصر الباطن العقلي ولكلّ منهما درجات . كما أنّ العالم عالمان :
غيب وشهادة ، ولكل منهما منازل فالإنسان السعيد بروحه الذي هو عقل بالفعل جنّة معنوية بما يحمله من المعارف والعلوم ، ولنفسه الحيوانية جنّة صورية بما يحمله من اللذّات والشهوات ويناله من طريق قواها العملية الحسّية من أكل وشرب ونكاح