قربا مفرطا ولا ما بعد والعقل عنده يستوي القريب والبعيد ويعرج في طرفة إلى أعلى السماوات رقيا وينزل في لحظة إلى تخوم الأرض هويا ، بل إذا حقّت الحقائق انكشف أنه منزّه عن أن يحوم بجنبات قدسه القرب والبعد الذي يعرض بين الأجسام ، فإنه أنموذج من بحور اللّه تعالى ولا يخلو الأنموذج عن محاكاة وإن كان لا يرقى إلى ذروة المساوقة . . . " الثالثة " أن العين لا تدرك ما وراء الحجاب .
والعقل يتصرّف في العرش والكرسي وما وراء حجب السماوات وفي الملأ الأعلى والملكوت كتصرّفه في عالمه الخاص به ومملكته القريبة أعني بها الخاصة به ، بل الحقائق كلها لا تحجب عن العقل ، وإنما حجاب العقل حيث يحجب من نفسه لنفسه بسبب صفات مقارنة له تضاهي حجاب العين من نفسه عند تغميض الأجفان . . .
" الرابعة " أن العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها بل قوالبها وصورها دون حقائقها ، والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها ، ويدرك حقائقها وأرواحها ، ويستنبط أسبابها وعللها وحكمها وأنها ممّ حدثت وكيف خلقت ومن كم معنى جمع الشيء وركب وعلى أي مرتبة في الوجود نزل وما نسبته إلى سائر مخلوقاته ؟ إلى مباحث أخر يطول شرحها نرى الإيجاز فيها أولى .
الخامسة أن العين تبصر بعض الموجودات إذ تقصر عن جميع المقولات وعن كثير من المحسوسات ولا تدرك الأصوات ولا الروائح والطعوم والحرارة والبرودة والقوى المدركة ، أعني قوة السمع والشم والذوق بل الصفات الباطنة النفسانية كالفرح والسرور والغم والحزن والألم واللذّة والعشق والشهوة والقدرة والإرادة والعلم إلى غير ذلك من موجودات لا تحصى ولا تعدّ ، فهو ضيّق المجال مختصر المجرى لا تسعه مجاوزة عالم الألوان والأشكال وهما أخسّ الموجودات ، فإن الأجسام في نفسها أخسّ أقسام الموجودات والألوان .
والأشكال من أخسّ أعراضها ، والموجودات كلها مجال العقل إذ يدرك هذه الموجودات التي عدّدناها وما لم نعدّه وهو الأكثر فيتصرّف في جميعها ويحكم عليها حكما يقينا صادقا ، فالأسرار الباطنة عنده ظاهرة والمعاني الخفيّة عنده جليّة .
فمن أين للعين الباصرة مساواته في استحقاق اسم النور ، كلا إنها نور بالإضافة إلى غيرها ولكنها ظلمة بالإضافة إليه بل هي جاسوس من جواسيسه ، وكلها بأخسّ خزائنه وهي خزانة الألوان ، والأشكال لترفع إلى حضرته أخبارها فيقضي فيها بما يقتضيه رأيه الثاقب وحكمه النافذ ، والحواس جواسيسه سوّاها ، وهي من خيال ووهم وفكر وذكر وحفظ ووراءهم خدم وجنود مسخرة له في عالمه الحاضر يسخّرهم ويتصرّف فيهم استسخار الملك عبيده بل أشدّ وشرح ذلك يطول ، وقد شرحناه في كتاب عجائب القلب من كتب الإحياء . " السادسة " أن العين لا تبصر ما لا نهاية له فإنها تبصر صفات
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي — صفحة 317
مساهمون: رفيق العجم
ص٣١٧