تثبيت لمعاني مفرداتها ، واختراع لألفاظ جديدة ، كي تفي غرض الشرح والتحليل والتعليل معا استنفاذا للمعنى . يقول مبرزا هذا التوجّه في الإشارات والتنبيهات : « فإن اتّفق أن لا يوجد للمعنى لفظ مناسب معتاد ، فليخترع له لفظ من أشدّ الألفاظ مناسبة وليدل على ما أريد به . ثم يستعمل فيه » .
وقد توقّف عند معاني ومغازي اللغة بوجه عام في « كتاب الشفاء » ، ورأى فيها وجهين : إعلامي ، واستعلامي ، على صعيد مشاركة الغير بواطن النفس ، مضيفا أنّ خاصّة الإنسان « تصوّر المعاني الكلّية العقلية المجرّدة عن المادة كل التجريد » . طبّق هذا المنحى العقلي ، حين حلّل ، في مواطن عدّة من مؤلّفاته ، العلاقة الوضعية - الطبيعية ، والعقلية - المنطقية بين اللفظ والمعنى لجهة دلالة الأول على الثاني . وهو أمر يبيّن مدى علاقة المنطق الاستدلالي باللغة المعبّرة عن رؤى العقل المنظّم للواقع بشقّيه العيني والذهني . إنّها إحدى المشكلات التي تشابكت من خلالها الأبعاد اللغوية والفكرية للفظ الواحد ، والتي امتدّت بفروعها لتشمل معظم العلوم الفلسفية - الإسلامية بيانا واستدلالا .
إنّ العلاقة التي تربط بين اللفظ ( الدالّ ) ومعناه ( المدلول ) مستمدّة من دلالة المطابقة (
Concordance
) الوضعية المنحى ، لكنها تتجاوزها إلى دلالة التضمّن (
Inclusion
) ودلالة الاستتباع أو الالتزام (
Concomitance
) العقلية المنحى . وقد أفرد ابن سينا ، في الإشارات والتنبيهات ، فصلا - إشارة حصر فيه دلالة اللفظ على المعنى منطقيّا بهذه الدلالات الثلاث قائلا : « اللفظ يدلّ على المعنى : إمّا على سبيل المطابقة بأن يكون ذلك اللفظ موضوعا لذلك المعنى وبإزائه : مثل دلالة المثلّث على الشكل المحيط به ثلاثة أضلع . وإمّا على سبيل التضمّن بأن يكون المعنى جزءا من المعنى الذي يطابقه اللفظ : مثل دلالة المثلّث على الشكل فإنّه يدلّ على الشكل لا على أنّه اسم الشكل بل على أنّه اسم لمعنى جزؤه الشكل . وإمّا على سبيل الاستتباع والالتزام ، بأن يكون اللفظ دالّا بالمطابقة على معنى ، ويكون ذلك المعنى يلزمه معنى غيره كالرفيق الخارجي . لا كالجزء منه ، بل هو مصاحب ملازم له : مثل دلالة لفظ السقف على الحائط والإنسان على قابل صنعة الكتابة » .