يدني الكرى شخصها منّي ويبعدني * هجر فيبعد منّي شخصها الدّاني
أما قوله : « أهواه وهو بعيد النوم يهواني » فإنما يريد أنني أهواه على الحقيقة ، وهو بعيد النوم يتخيل لي شخصه وطيفه وزيارته لي ، فكأنه يهواني . والبيت الثالث في غاية الملاجة والرشاقة . وفي البيت الرابع رواية تخالف ما حكيناه ، وهي :
يدني الكرى شخصها منّى ويبعدني * هجر فيبعد منّي شخصها الدّاني
ومعنى الرواية الأولى أن هجرها لي مبعد في الحقيقة عن لقائها ، ونأى بشخصها عني ، وإن خيّل الكرى لي الدنوّ إليها .
والرواية الثانية معناها : أنني أتخيل في النوم دنوّ شخصها مني ، فإذا انتبهت بالوجد ، وجدت شخصها بعيدا ، فكأن الاستيقاظ هو الذي أبعد شخصها ، كما أن الكرى أدناه ، وجوّد العتابيّ في قوله :
ولما استقرّ النوم في جفن عينه * وماتت له أوصاله والمفاصل
رمت غمرات الموت رميا بنفسها * ولليل ستر حولها متهادل
فأهدى إلينا الليل شخصا تناسبت * إلى الحسن منه صورة وسمائل
فباتت غمامات النعيم تجودنا * لها ديم حتى الصباح ووابل
وأحسن كل الإحسان مسلم بن الوليد « 1 » في قوله :
هامش
( 1 ) مسلم بن الوليد هو : صريع الغواني المشهور ، الأنصاري مولاهم ، البغدادي ، وقيل بل كوفي نزل بغداد ، ومن مصادر ترجمته :
التاريخ لابن معين ( 367 ) ، طبقات خليفة ( 276 ) ، التاريخ الكبير ( 6 / 25 ) ، التاريخ الصغير ( 2 / 236 ) ، الشعر والشعراء ( 528 ) ، الضعفاء للعقيلي ( 245 ) ، الجرح والتعديل ( 5 / 395 ) ، تاريخ بعداد ( 13 / 96 ) ، سير أعلام النبلاء ( 8 / 365 ) ومما قال في ترجمته : كان شاعرا ، مداحا ، محسنا ، مفوّها ، وهو القائل في جعفر البرمكي :كأنه قمر أو ضيغم هصر * أو حية ذكر أو عارض هطل
لا يضحك الدهر إلا حين تسأله * ولا يعبّس إلا حين لا يسلمات في أواخر دولة الرشيد وديوانه مشهور وفي مصارع العشاق ( 1 / 37 ) عن المبرد : أن مسلم بن الوليد الأنصاري لما وصل الرشيد في أول يوم لقيه أنشده قصيدته التي يصف فيها الخمر وأولها :أديرا عليّ الكأس لا تشربا قبلي * ولا تطلبا مني عند قاتلتي ذحلي( الذحل أي الثأر ) . فاستحسن ما حكاه من وصف الشراب واللهو والغزل وسماه يومئذ صريع -