فأجبتها : سيري ومكثي واحد * النحس نحس منجدا أو مغورا
إن المدائن وهي أوسع بقعة * ضاقت عليّ فكيف أرحل للقرى
باللّه قد فقد السماح وأصبحت * منه عراص البرّ برا مقفرا
ولقد سألت عن الكرام فلم أجد * في الناس عن تلك الكرام مخبرا
حتى كأن حديث كل أخ * بدا عن كل ما يروي حديثا مفترا
إن كان حقّا ما يقال فإنهم * كانوا وقد ولى الزمان مقهقرا
لم يبق عندهم حديثا طيبا * للطارقين ولا مناخا للذّرا
ومن المصيبة أن رزقي بينهم * متقصرا متباعدا مستعذرا
فلئن ذممت من لا يرعوي * ولئن شكرت شكرت من لا يشكرا
فلأصبرن على الزمان وإنني * لأخي الشقاء صبرت أم لم أصبرا
فيقول الأمير وصال : حاشاك من هذا / [ 57 / ب ] الكلام ، وحفظ اللّه كل من حوى هذا المقام ، من هؤلاء السادة الكرام ، إلّا أنني ما قدمت على زواجي إلّا بعد ضرورتي واحتياجي ، إلّا هربا من القحاب ، ووثوقا بكرم الأصحاب ، فاسمع شرح حالي وأعجب من مقالي ، ويقول :
قد تجاسر إذ كتبت كتابي * طمعا في مكارم الأصحاب « 1 »
واستخرت الإله في طلب الحلّ * رجاء له جزيل الثواب
/ [ 58 / أ ] وأنفت الرقاد وحدي * وأنفي وسط ثقبي مطوقا كالكلاب
لا أرى لي إذا خلوت أنيسا * في طعامي كلا ولا في شرابي
هامش
( 1 ) هذا البيت بيت قوي حقّا يضاهيه قول القائل :ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجربويوافقه قول من قال إن المستحيلات أربعة : الخل الوفي ، والعنقاء ، والغول ، والفيل الأبيض ففي غياب الخل الوفي والصاحب المخلص تكون الحياة قائمة على النفاق فإن نصحت إنما تنصح من لا يسمع ، وإن شكرت شكرت من لا يستحق إلا الذم والقدح لا المدح إلّا أنك لاضطرارك نقول :
« دارهم ما دمت في دارهم » أو « ارضهم ما دمت في أرضهم » . وهكذا قال كل مخلص بين من لا يعرف الحق أو العدل أو المروءة أو الفضيلة .