كم قد ركبت إلى العلياء ظهر فلا * تضلّ فيه قطاة عن مجاثيها
وقفرة تنكر الأنس الوحوش بها * ولا يرجّى ورود الماء صاديها
إذا تراخت ركابى عن مهامهها * ركبت فيها اعتزاما لا يباليها
هانت علىّ مخوفات الخطوب فما * أثنى يميني عن قصوى مراقيها
كأنّما قد نعى الدّنيا مخلّدها * أو في يدىّ أمان من لياليها
« ومن تكن » نفسه لم يملها جزع * فزجر مهرك في الهيجاء ماليها « 1 »
وإن تكن لم تذر كثر الأنام لها * قلّا فشلو هزيل الجنب كافيها « 2 »
نفسي تنازعنى حالا يضيق لها * عرض البلاد فمن لي من تقاضيها ؟
لقد دعت سامعا لم تكد دعوته * وطالبت بعظيم من يؤاتيها ؟ « 3 »
أقلل لدىّ بأنباء الزّمان فما * أهاب نفسي لأنّى لا أرجّيها
لا تجتن العزّ إلّا من حدائقه * فكم رياض عراض خاب جانيها
ما عزّ من ذلّ في تطلاب عزّته * مجاور النّار من قرّ كصاليها « 4 »
إنّ المعالي لا تعطيك صهوتها * وما سعت لك رجل في مساعيها « 5 »
لم تنتهز ما دنا من فرع دوحتها * فكيف تسمو إلى ما في أقاصيها ؟ « 6 »
* * *
هامش
( 1 ) في الأصل « من لم تكن » بدل « ومن تكن » ولا يستقيم المعنى مع الأولى .
( 2 ) الشلو : العضو والبقية من اللحم المسلوخ المأكول منه .
( 3 ) لم تكد : من الفعل أكدى أي لم تكل ، من أكدى الحافر إذا بلغ الكدية وهي الأرض الصلبة فلم يحفر ، والمؤاتى : الموافق والمطيع .
( 4 ) القر : برد الشتاء ، والصالى : المستدفىء .
( 5 ) الصهوة : مركب الفارس من الفرس .
( 6 ) الدوحة : الشجرة .