تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤

مسألة

إن سأل سائل عن قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
؛ [ المائدة : 93 ] . هذه الآية تشاغل المفسّرون بإيضاح الوجوه في التكرار الّذي تضمّنته ؛ وظنوا أنّه المشكل منها ، وتركوا ما هو أشدّ إشكالا من التكرار ؛ وهو أنّه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيما يطعمونه بشرط الاتقاء والإيمان وعمل الصالحات . وإذا أريد بالاتقاء تجنّب القبائح والمحارم ، كان ذلك شرطا صحيحا في نفى الجناح ؛ إلا أنّ الإيمان وعمل الصالحات ليس بشرط في نفى الجناح على وجه ولا سبب ؛ لأن من جانب القبيح المحظور عليه لم يكن عليه جناح فيما يطعمه ، وإن لم يكن مؤمنا ، ولا ممن عمل الصالحات ، ألا ترى أن المباح إذا وقع من الكافر لا إثم عليه ولا وزر ! ووقوعه منه مع كفره في نفى الإثم كوقوعه من المؤمنين . والإشكال إنّما هو في اشتراط الإيمان وعمل الصالحات ؛ وليس لذلك تأثير معقول في نفى الجناح . ونحن نبين ما يحل هذه الشبهة القوية ، ونتكلم على التكرار ، ولنا في ذلك طريقان : أحدهما أن نضم إلى المشروط المصرّح بذكره غيره حتّى يظهر تأثير ما ذكره من الشروط . أو نجعل ما ولى الاتقاء من الإيمان ، وعمل الصالحات ليس بشرط حقيقيّ وإن كان معطوفا على الشرط ، وكل ذلك جائز إذا قاد الدليل إليه ، وأحوج إلى التعويل عليه . أما الوجه الأوّل فبيانه أن يكون تقدير الكلام : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ، لأن الشرط في نفى الجناح لا بدّ أن يكون له تأثير ؛ حتى يكون متى انتفى ثبت الجناح . وقد علمنا أنّ باتّقاء المحارم ينتفى الجناح فيما يطعم ، فهو الشرط الّذي لا زيادة عليه . ولما ولى ذكر الاتقاء الإيمان وعمل الصالحات ولا تأثير لهما في نفى الجناح - وجب أن نقدّر هناك ما تؤثّر هذه الأفعال في نفى الجناح