تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
لا يشفعون إلّا من كان بصفة كذا ؛ وإذا كان الاستثناء ممن يشفع فيه قلنا : لا يشفعون إلّا فيمن صفته كذا . وأيضا فعلى الوجه الأوّل وقد تقدم عموم ظاهر في اللفظة يجوز أن يستثنى منه وهو قوله تعالى :
الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
وما جرى ذكر المشفوع فيه عموما يستثنى بعض . فإن قيل : الشفاعة لفظ جنس ، يقتضي العموم . قلنا : قد بينا في غير موضع أن ألفاظ الجنس لا تقتضى الاستغراق ، وضربنا المثل بمن يقول : هذه أيّام أكل اللحم ، وزمان لبس الجباب ، فإنه يقتضي الجنس من غير استغراق . وإن توهّم خصوص أو عموم فخطؤهما لا يعقل . فإن قيل : أىّ فائدة في قوله تعالى
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
وبأي شيء يتعلق علمهم . قلنا : ليس كلّ من شهد بالحق يكون عالما ؛ لأن المقلّد والمبخّت ربما شهد بالحق على وجه لا ينفع ؛ وإنّما لا ينفع ذلك مع العلم فكأنّه تعالى قال
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
صحة ما شهدوا به . فإن قيل : إذا كان المستثنى هم الأنبياء والملائكة فهؤلاء لا يشهدون بالحق إلّا مع العلم . قلنا : ذلك صحيح إلّا أنّ الاستثناء لما تناول في اللفظة من كان يصفه ، وكان مجرد هذه اللفظة لا ينفع في المعنى المقصود إلّا مشروطا بالعلم وجب اشتراط العلم ؛ ليعلم افتقاد تلك الصفة فيمن كانت إليه ؛ وهذا واضح . فإن قيل : هذان الوجهان اللّذان ذكرتموهما ، ورجّحتم أحدهما يقتضيان مشاركة نبيّنا عليه السلام في الشفاعة للمذنبين ؛ ومن مذهب المسلمين أنّه ينفرد بالشفاعة . قلنا : ليس فيما ذكر تضعيف لهذين الجوابين من وجوه : أحدها أنّ انفراده عليه السلام بالشفاعة للمذنبين حتّى لا يشاركه أحد فيها ليس بمعلوم ولا مقطوع عليه ؛ وإنّما يرجع فيه إلى أقوال قوم غير محصّلين ؛ ألا ترى أنّ عند المسلمين كلّهم إلّا عند المعتزلة ومن وافقهم أن للمؤمنين شفاعة بعضهم في بعض ! فكيف يدّعى الاختصاص في هذه الرتبة !