تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
يقتضي أنّه تعالى لم يرد الفضل الّذي هو زيادة الثواب ؛ وإنّما أراد النّعم والمنافع الدنياوية ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
؛ والكرامة إنّما هي الترفيه وما يجرى مجراه . ثمّ قال :
وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
؛ ولا شبهة في أنّ الحمل لهم في البر والبحر ورزق الطيبات خارج ممّا يستحقّ به الثواب ، ويقتضي التفضيل الّذي وقع إطلاقه فيه . ويجب أن يكون ما عطف عليه من التفضيل داخلا في هذا الباب ، وفي هذا القبيل ؛ فإنّه أشبه من أن يكون المراد به غير ما سياق الآية وارد به ، ومبنىّ عليه . وأقل الأحوال أن تكون لفظة
فَضَّلْناهُمْ
محتملة للأمرين ؛ فلا يجوز الاستدلال بها على خلاف ما نذهب إليه . ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا : لا دلالة في هذه الآية على أنّ حال الملائكة أفضل من حال الأنبياء ؛ لأن الغرض في الكلام إنّما هو نفى ما لم يكن عليه ؛ لا التفضيل لذلك على ما هو عليه ؛ ألا ترى أن أحدنا لو ظنّ أنّه على صفة الملائكة - وهو ليس عليها - جاز أن ينفيها عن نفسه بمثل هذا اللفظ ؛ وإن كان على أحوال هي أفضل من تلك الحال وأرفع . وليس يجب إذا انتفى ممّا تبرّأ منه من علم الغيب ، وكون خزائن اللّه تعالى عنده أن يكون فيه فضل أن يكون ذلك معتمدا في كل ما يقع النفي له ، والتبرؤ منه . وإذا لم يكن ملكا كما لم يكن عنده خزائن اللّه تعالى جاز أن ينتفى من الأمرين من غير ملاحظة ؛ لأنّ حاله دون هاتين الحالتين . وممّا يوضّح هذا ويزيل الإشكال فيه أنّه تعالى حكى عنه قوله في آية أخرى :
وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً
؛ [ هود : 31 ] ، ونحن نعلم أنّ هذه منزلة غير جليلة ؛ وهو على كلّ حال أرفع منها وأعلى ؛ فما المنكر أن يكون نفى الملكيّة عنه في أنّه لا يقتضي أنّ حاله دون حال الملك بمنزلة نفى هذه المنزلة ! والتعلّق بهذه الآية ضعيف جدا ؛ وفيما أوردناه كفاية وباللّه التوفيق .