مجلس آخر 50
تأويل آية [ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ البقرة : 257 ] .
فقال : أليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنّه هو الفاعل للإيمان فيهم ؟ لأن النور هاهنا كناية عن الإيمان والطاعات ، والظلمة كناية عن الكفر والمعاصي ، ولا معنى لذلك غير ما ذكرناه .
وإذا كان مضيفا للإخراج إليه فهو الفاعل لما كانوا به خارجين ، وهذا خلاف مذهبكم .
الجواب ، قلنا : أما النور والظلمة المذكوران في الآية فجائز أن يكون المراد بهما الإيمان والكفر ، وجائز أيضا أن يراد بهما الجنة والنار ، والثواب والعقاب فقد تصحّ الكناية عن الثواب والنعيم في الجنة بأنّه نور ، وعن العقاب في النار بأنه ظلمة ، وإذا كان المراد بهما الجنة والنار ساغ إضافة إخراجهم من الظلمات إلى النور إليه تعالى ؛ لأنّه لا شبهة في أنّه جل وعزّ هو المدخل للمؤمن الجنة ، والعادل به عن طريق النار . والظاهر بما ذكرناه أشبه ؛ لأنّه يقتضي أنّ المؤمن الّذي ثبت كونه مؤمنا / يخرج من الظلمة إلى النور ؛ فلو حمل على الإيمان والكفر لتناقض المعنى ، ولصار تقدير الكلام :
أنه يخرج المؤمن الّذي قد تقدّم كونه مؤمنا من الكفر إلى الإيمان ؛ وذلك لا يصحّ .
وإذا كان الكلام يقتضي الاستقبال في إخراج من قد ثبت كونه مؤمنا كان حمله على دخول الجنة والعدول به عن طريق النار أشبه بالظاهر .
على أنا لو حملنا الكلام على الإيمان والكفر لصحّ ، ولم يكن مقتضيا لما توهموه ، ويكون وجه إضافة الإخراج إليه ، وإن لم يكن الإيمان من فعله من حيث دلّ وبيّن وأرشد ولطّف وسهّل ؛ وقد علمنا أنّه لولا هذه الأمور لم يخرج المكلّف من الكفر إلى الإيمان ، فيصح