24 مجلس آخر [ المجلس الرابع والعشرون : ]
تأويل آية [ : إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ . . . ]
إن سأل سائل فقال : ما تأويل قوله تعالى :
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ، وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا
؛ [ الأحزاب : 10 ] .
وكيف يجوز أن تبلغ القلوب الحناجر مع كونهم أحياء ، ومعلوم أنّ القلب إذا زال عن موضعه المخلوق فيه مات صاحبه ؟ وعن أيّ شيء زاغت الأبصار ؟ وبأىّ شيء تعلّقت ظنونهم باللّه تعالى ؟ .
الجواب ، قيل له في هذه الآية وجوه :
منها أن يكون المراد بذلك أنهم جبنوا وفزع أكثرهم لمّا أشرف المشركون عليهم ، وخافوا من بوائقهم وبوادرهم ، ومن شأن الجبان عند العرب إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته ، ولهذا يقولون للجبان : انتفخ سحره ، أي رئته ، وليس يمتنع أن تكون الرئة إذا انتفخت رفعت القلب ، ونهضت به إلى نحو الحنجرة . وهذا التأويل قد ذكره الفرّاء وغيره ، ورواه الكلبىّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس .
ومنها أنّ القلوب توصف بالوجيب والاضطراب في أحوال الجزع والهلع ؛ قال الشاعر :
كأنّ قلوب أدلّائها * معلقة بقرون الظّباء « 1 »
هامش
( 1 ) الأدلاء : جمع دليل ؛ والبيت في وصف فلاة مخيفة ، ذكره ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص 488 ، ونسبه إلى المرار ، وقال في شرحه : « يريد أن القلوب تنزو وتجب ؛ فكأنها معلقة بقرون الظباء ؛ لأن الظباء لا تستقر ؛ وما كان على قرونها فهو كذلك » .