كما يأمرنا الله تعالى عبر الآية 58 من سورة النساء أن نحكم بالعدل بين الناس : * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً « 1 » .
ثم يستنكر الباري عز وجل أن يلجأ بعض الناس إلى الطاغوت ليحكم بينهم ، فحكم الطاغوت مرفوض ، والتحاكم إليه حرام : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً « 2 » .
ورغم أن القوانين العامة والأصول الكلية والقيم الأساسية التي يعتمد عليها القضاء في الإسلام ليست نابعة من تشريعات بشرية ، بل من ينابيع الوحي مما يرفع درجة الثقة بها إلى مستويات عالية ، إلا أن هذا الجانب يشكِّل نصف القضية ، والنصف الآخر هو شخص القاضي الذي هو واحد من البشر ، فيه ما فيهم من المصالح والأهواء والذاتيات ، إلى جانب ما فيه من العقل والإنصاف وسائر الخصال الحميدة ، فما هو الضمان أن ينطلق القاضي - الإنسان من منطلق العقل والإنصاف والقيم الإيمانية ، وليس من منطلق الأهواء والمصالح والذاتيات ؟ .
الإسلام يحل هذه المشكلة عن طريق اشتراط توافر درجة عالية من النزاهة فيمن يتصدى للقضاء بين الناس وهي : العدالة التي تعني تمتع الشخص بقدرة فائقة على ضبط النفس عن الانجرار وراء
الأهواء ، وبقدر كبير من التجرد لله وطاعته والابتعاد عن معاصيه ، وإذا ما غلب عليه هواه في لحظة طائشة فإنه لا يصر على الذنب بل يستغفر الله ويعود إلى جادة الصواب .
روي عن الإمام الصادقعليه السلام أنه قال :
( اتَّقُوا الحُكُومَةَ ، فَإِنَّ الحُكُومَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْإِمَامِ الْعَالِمِ بِالْقَضَاءِ الْعَادِلِ فِي المُسْلِمِينَ . . ) « 3 » .
إن اشتراط العدالة يرفع درجة الاطمئنان والثقة لدى الناس المترافعين إلى القضاء ، فأسس وقيم القوانين إلهية ، ومَنْ يقوم على تطبيق هذه القوانين شخص عادل ونزيه ، الأمران اللذان يرفعان درجة الوثوق والاطمئنان إلى الأحكام الصادرة من القضاء .
هامش
( 1 ) سورة النساء ، آية : 58 .
( 2 ) سورة النساء ، آية : 60 .
( 3 ) وسائل الشيعة : ج 27 ، ص 17 . .